« طلاب اليمن في الحوزات الدينية » اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » تعزية بمناسبة وفاة سماحة آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (قدس الله سره) « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » بحثٌ حول حُكم الخروج بالسيف قبل قيام الإمام المهدي (عج) « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » مبادئ السياسة الخارجية للإمام الخميني د. السيد محمد الغريفي « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » أمور في دائرة الاستفهام عن طالب العلم والحوزة « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » كيف صار الإمام جعفر الصادق(ع) مذهباً؟ « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » القتل في الجبهة لا يعني الهزيمة « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » أبرز مواقف آية الله العظمى الامام السيد علي الخامنئي في مراسم إحياء الذكرى السنوية الـ 27 لرحيل الإمام الخميني (قدّس سرّه) « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » سماحة السيد حسن نصرالله يشيد بسياسات الجمهورية الاسلامية في مجال مکافحة الإرهاب « طلاب اليمن في الحوزات الدينية » ولاية الفقيه

Follow Us On FacebookFollow Us On TwitterFollow Us On Google PlusFollow Us On You Tube

» القائمة الرئيسية » كتب حوزوية » كتاب (مجالس السبايا من كربلاء إلى الشام)

كتاب (مجالس السبايا من كربلاء إلى الشام)

كتاب (مجالس السبايا من كربلاء إلى الشام)

كتاب (مجالس السبايا من كربلاء إلى الشام)


مجالس السبايا
من كربلاء إلى الشام

 

 

 

الكتاب:

مجالس السبايا من كربلاء إلى الشام

نشر:

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

إعداد:

معهد سيد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسيني

الإعداد الإلكتروني:

شبكة المعارف الإسلامية

الطبعة:

الثانية، تشرين الثاني 2010م- 1431هـ

جميع حقوق الطبع محفوظة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


مجالس السبايا
من كربلاء إلى الشام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المركز الإسلامي للتبليغ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

 

والصلاة والسلام على رسوله المصطفى محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين المظلومين.

 

لمّا عزم الإمام الحسين عليه السلام على الخروج من مكّة إلى العراق، بلغ ذلك ابن الحنفيّة، فأتاه، فأخذ زمام ناقته وقد ركبها فقال: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال: بلى. قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟ فقال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين، اخرج، فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلا. فقال محمّد بن الحنفيّة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟ قال: فقال له: قد قال لي: إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا وسلّم عليه ومضى1.

 

1- ابن طاووس: الملهوف على قتلى الطفوف ص 128.

 

من الواضح على ضوء هذه الرواية أن نهضة سيّد الشهداء عليه السلام لا تقف عند أحداث اليوم العاشر من المحرّم، الذي استشهد فيه الإمام الحسين عليه السلام ، بل تمتدّ إلى حين رجوع ركب الحسين عليه السلام إلى المدينة، فهؤلاء الأطفال وتلك النسوة ومعهم إمامهم زين العابدين عليه السلام هم شركاؤه الحقيقيّون في نهضته وثورته..

 

ومن هنا لا يمكن الفصل بين هاتين المرحلتين، سواء على مستوى الأحداث ومجرياتها أو على مستوى الدراسة والبحث، أو حتّى على مستوى الحزن والبكاء على سيّد الشهداء عليه السلام.

 

فها هو أمير المؤمنين عليه السلام يخبر ابنته العقيلة زينب عليها السلام بما يجري عليها في الكوفة قائلاً: وكأنّي بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلّاء خاشعين، تخافون أن يتخطّفكم الناس، فصبراً صبرا..2.

 

وها هو الإمام الرضا عليه السلام يذكر لابن شبيب مصائبهم في شهر محرّم فيقول: فما عرفت هذه الأمّة حرمة شهرها ولا حرمة نبيّها، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريّته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم أبداً3.

 

ولا زال الشعراء يقرنون مصيبة الحسين عليه السلام بمصيبة سبي أهل بيته، فقد جاء عن وهب بن زمعة الجمحيّ- وهو من المائة

2- هامش كامل الزيارات لابن قولويه القمّي ص 444.

3- الصدوق: الأمالي ص 192.

 

الأولى- يرثي الحسين عليه السلام في أبياتٍ له ويأتي على ذكر السبايا فيقول:

 

وربّاتُ صَوْنٍ ما تَبَدَّتْ لِعَيْنِها        قُبَيلَ السِبا إِلَّا لِوَقْتِ نُجومِها

 

تُزاوِلُها أَيدِي الهَوانِ كَأَنَّما              تَقَحَّمَ ما عَفْوٌ فِيهِ أَثِيمُها4

 

وجاء عن منصور النميريَ- من المائة الثانية- قوله:

 

أَلَمْ يَحْزُنْكَ سِرْبٌ مِنْ نِساءٍ           لِآلِ مُحَمَّدٍ خُمْشُ الذُّيولِ

 

يَشْقُقْنَ الجُيوبَ عَلى حُسينٍ         أَيامَى قَدْ خَلَوْنَ مِنَ البُعولِ

 

فَقَدْنَ مُحَمَّداً فَلَقِينَ ضَيْماً            وَكُنَّ بِهِ مَصوناتِ الحُجولِ5

 

وفي تائيّة دعبل الخزاعيّ المشهورة جاء قوله:

 

بَناتُ زِيادٍ فِي القُصورِ مَصونَةٌ        وَآلُ رَسولِ اللهِ فِي الفَلَوَاتِ

 

وقال:

 

وَآلُ رَسولِ اللهِ تُسبَى حَريمُهُم        وَآلُ زِيادٍ رَبَّةُ الحَجَلاتِ6

 

إلى غير ذلك من الشعر والرثاء المعروف والمشهور والمنقول عن الشعراء قديماً وحديثاً.

 

وقد دأب أيضاً علماؤنا الأبرار ومحبّو أهل البيت عليهم السلام على استحضار هذه المصائب أجمع وإقامة مجالس العزاء لها من

 

4- شبّر جواد: أدب الطفّ ج 1 ص 133.

5- المصدر السابق ص 210.

6- بحر العلوم: مقتل الحسين عليه السلام ص 67- 68.

 

أوّل محرّم وحتّى آخر صفر إلى حين رجوع الركب الحسينيّ إلى المدينة.

 

ولهذا قمنا في معهد سيّد الشهداء بإعداد هذا الكتاب: مجالس السبايا ليكون عوناً للأخوة القرّاء في مجالسهم التي يقيمونها بعد العاشر من المحرّم، وقد اخترنا أن نجعله في قسمين، أحدهما يتناول الرزايا والأحداث من كربلاء مروراً بالكوفة وحتّى دخول الشام، والقسم الآخر يتناول ما جرى عليهم من مصائب وآلام في الشام مروراً بعودتهم إلى كربلاء ومن ثمّ رجوعهم إلى المدينة المنوّرة.

 

ونذكّر في هذه المقدّمة بما يلي:

 

- حاولنا -قدر الإمكان- عرض المجالس التي يتداولها القرّاء عادة بعد عاشوراء مقتصرين على أهمّها.

 

- اقتصرنا على ذكر القصائد والنعي الشعبيّ والمصيبة دون ذكر المحاضرة اتّكالاً منّا على قدرات الإخوة القرّاء وجدارتهم.

 

وختاماً، فإنّنا نسأله تعالى أن يتقبّل منّا ومن الجميع، ويرزقنا شفاعة محمّد وآل بيته الطاهرين، ويعجّل في فرج قائم آل محمّد إنّه سميع مجيب..

 

                                            معهد سيّد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسينيّ

 

 

 

 

مجلس سلب النساء وحرق الخيام

 

لَهْفِي لِحَالِ النَاظِراتِ حُمَاتِها                    فَوْقَ الجَنَادِلِ كِالنُّجومِ الطُلَّعِ

 

والريحُ سَافِيَةٌ على أَبْدانِهْم                      فَمُقَطَّعٌ ثَاوٍ بِجَنْبِ مُبَضَّعِ

 

ولِزَيْنَبٍ نَوْحٌ لِفَقْدِ شَقِيقِها                    وتَقُولُ يا ابنَ الزَّاكِيَاتِ الرُّكَعِ

 

اليومَ أَصبَغُ في عَزَاكَ مَلابِسِي                  سُوداً وأَسْكُبُ هاطِلاتِ الأَدْمُعِ

 

اليومَ شَبُّوا نَارَهُم في مَنْزِلي                     وتَناهَبُوا ما فيهِ حتَّى مِقْنَعِي

 

اليومَ ساقُونِي بِقَيْدي يا أخِي                   والضربُ آلَمَنِي وأَطفَالِيَ مَعِي

 

حالَ الرَّدَى بَيْني وبَيْنَك يا أخي               لو كُنتَ في الأَحْياءِ هَالَكَ مَوْضِعِي

 

أَنْعِمْ جَواباً يا حُسينُ أمَا تَرَى                  شِمْرَ الخَنَا بِالسَوْطِ آلَمَ أَضْلُعِي

 

 

فَأَجَابَها مِن فَوْقِ شَاهِقَةِ القَنا                قُضِيَ القَضَاءُ بِما جَرَى فاسْتَرْجِعِي

 

وتَكَفَّلِي حَالَ اليَتامَى وانْظُري               ما كُنتُ أصْنَعُ في حِمَاهُم فاصَنَعِي

 

أبوذيّة:

 

هجم لينه يخويه الجيش وانساب              وما ظلّ شرف عند القوم وانساب

 

سبونا وأبونا انشتم وانساب                  وشبت بالخيم نيران أميه

 

شعبي:

 

زينب احتارت يوم شبوا بالخيم نار                      طلعت اوياها الحريم اصغار واكبار

 

تصرخ ابعالي الصوت طايح وين يحسين                 خدري انهتك وانته غياث المستغيثين

 

عجّل ادركنه لا تنهتك خويه النساوين                   لمّن سمع گام ايتقلب والدمه فار

 

 

السلام على الدماء السائلات، السلام على الأعضاء المقطّعات، السلام على الرؤوس المشالات، السلام على النسوة البارزات.

 

عن إمامنا الرضا عليه السلام: إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهليّة يحرّمون فيه القتال، فاستحلّت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله صلى الله عليه وآله حرمة في أمرنا. إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا، بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء، إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء يحطّ الذنوب العظام.

 

بعد أن قتل الإمام الحسين عليه السلام ورفعوا رأسه على رأس الرمح، أقبل القوم على سلبه، فأخذوا ثيابه، ودرعه وسيفه، وحتّى خاتمه الشريف أخذه اللعين بجدل بن سليم الكلبيّ، وكان قد جمد عليه الدم، فقطع اللعين إصبع الإمام مع الخاتم... وتركوا الإمام على وجه الصعيد، عاري اللباس، قطيع الرأس، منخمد الأنفاس..

 

نايم أخيي شلون نومه                 وحرّ الشمس غيّر ارسومه

 

وفوق الذبح سلبوا اهدومه

 

 

عُرْيانَ تَكْسُوهُ الصَّعيدُ مَلابِساً                      أَفدِيهِ مَسْلوبَ اللباسِ مُسَرْبَلا

 

وَلِصَدْرِهِ تَطَأُ الخُيولُ وَطَالَما                        بِسَرِيرِهِ جِبريلُ كانَ مُوَكَّلا

 

ثمّ أقبلوا إلى خيام بنات رسول الله صلى الله عليه وآله، وانتهبوا ثقل الحسين عليه السلام ومتاعه، وجميع ما في الخيام..

 

ثمّ قاموا بسلب بنات رسول الله، يقول حميد بن مسلم: رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام فسطاطهن، وهم يسلبونهنّ أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط، فقالت: يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله؟! لا حكم إلّا لله يا لثارات رسول الله! فأخذها زوجها وردّها إلى رحله..

 

وجاء رجل من القوم إلى فاطمة بنت الحسين عليه السلام فسلبها وهو يبكي، فقالت له: ما لك تبكي؟! فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟! قالت له: دعني! قال: أخاف أن يأخذه غيري!!

 

وصّيت مَن يحسين بينه                    من تهجم الغاره علينه

 

وحنه حرم شنهو البدينه                   انته انصبت واحنه انسبينه

 

وفي البحار عن بعض الكتب أنّ فاطمة الصغرى قالت: كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر إلى أبي وأصحابي مجزّرين كالأضاحي على الرمال، والخيول على أجسادهم تجول وأنا أفكّر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أميّة، أيقتلوننا أو يأسروننا؟ فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه وهنّ يلذن بعضهنّ ببعض، وقد أخذ ما عليهنّ من أخمرة وأسورة، وهنّ يصحن: وا جدّاه، وا أبتاه، وا عليّاه، وا قلّة ناصراه، وا حسناه، أما من مجير يجيرنا؟ أما من ذائد يذود عنّا؟ قالت: فطار فؤادي وارتعدت فرائصي، فجعلت أجيل بطرفي يميناً وشمالاً على عمّتي أمّ كلثوم خشية منه أن يأتيني. فبينا أنا على هذه الحالة وإذا به قد قصدني ففررت منهزمة، وأنا أظنّ أنّي أسلم منه، وإذا به قد تبعني، فذهلت خشية منه وإذا بكعب الرمح بين كتفي، فسقطت على وجهي...وترك الدماء تسيل على خدّي ورأسي تصهره الشمس، وولّى راجعاً إلى الخيم، وأنا مغشيٌّ عليّ..

 

ويلي ان صحت بويه يشتموني               وان صحت خويه يضربوني

 

ومن الضرب ورمن امتوني                    ومن البكا عمين اعيوني

 

أنادي هلي وما يسمعوني

 

 

وإذا أنا بعمّتي عندي تبكي وهي تقول: قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات وأخيك العليل، فقمت..فما رجعنا إلى الخيمة إلّا وهي قد نهبت وما فيها، وأخي عليّ بن الحسين مكبوب على وجهه، لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والأسقام، فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا..

 

وعن حميد بن مسلم: فانتهينا إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرجالة فقالوا له: ألا نقتل هذا العليل! فقلت: سبحان الله أتقتل الصبيان إنّما هذا صبيّ وإنّه لِمَا به..

 

فأقبلت إليه العقيلة زينب وأهوت عليه، وقالت: والله لا يقتل حتّى أقتل دونه، فكفّوا عنه..ولكن سحبوا النطع7 الذي كان ينام عليه وألقوه على الأرض..

 

إجوا وخّروا عنّه وخلوه                    ومن فوق فراش المرض جرّوه

 

على وجهه وعلى التربان سحبوه          يا ويلي ولا صديق عليه ينغَر

 

وجاء عمر بن سعد فصاحت النساء في وجهه وبكين، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النساء، ولا تعرّضوا

 

7- أي البساط.

 

لهذا الغلام المريض فسألته النسوة أن يسترجع ما اخذ منهن..فقال: من أخذ من متاعهم شيئاً فليردّه، فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً..

 

يخويه بقيت محيرة واصفك باليدين              لا عباس يبرالي ولا حسين

 

يضربوني من ابكي وتدمع العين                وتبقى عبرتي بصدري تكسر

 

ثمّ نادى اللعين عمر بن سعد: أحرقوا خيام الظالمين!! فأضرمت النيران في الخيام..

 

فجاءت الحوراء زينب إلى الإمام زين العابدين عليه السلام وهي تقول: يا بقيّة الماضين، وثمال الباقين، أضرموا النار في مضاربنا؟!

 

قال: (عمّة) عليكن بالفرار!!

 

ففررن بنات رسول الله صائحات باكيات نادبات..

 

يفترن خوات احسين من خيمة لعد خيمه                 او كل خيمه تشب ابنار ردّن ضربن الهيمه

 

ينخن وين راحو وين ما ظل بالعده شيمه                والسجاد اجو سحبوه او دمعه اعلى الوجن ساله

 

 

عَجَباً لَها بِالأَمْسِ أَنتَ تَصُونُها             وَاليَوْمَ آلُ أُمَيَّةٍ تُبْدِيها

 

حَسْرَى وَعَزَّ عَليْكَ أَنْ لَم يَترُكوا            لَكَ مِنْ ثِيَابِكَ سَاتِراً يَكْفِيها

 

 

 

 

 

 

 

 

مجلس حال بنات الرسالة ورضّ الجسد الشريف

 

أَرُوحُكَ أَمْ رُوحُ النُّبُوَّةِ تَصْعَدُ                 مِنَ الأَرْضِ لِلفِرْدَوْسِ والحُورُ سُجَّدُ

 

ورَأْسُكَ أَمْ رَأسُ الرَّسُولِ عَلى القَنا            بِآيَةِ أَهلِ الكَهْفِ رَاحَ يُرَدِّدُ

 

وَصَدْرُكَ أَمْ مُسْتَوْدَعُ العِلْمِ والحِجَى           لِتَحْطِيمِهِ جَيْشٌ مِنَ الغَدْرِ يَعْمَدُ

 

فَأَيُّ شَهيدٍ أَصْلَتِ الشمسُ جِسْمَهُ           وَمَشْهَدُها مِنْ أَصْلِهِ مُتَوَلِّدُ

 

وَأَيُّ ذَبِيحٍ دَاسَتِ الخَيلُ صَدْرَهُ                وَفُرْسَانُها مِنْ ذِكْرِهِ تَتَجَمَّدُ

 

أَلَمْ تَكُ تَدْرِي أَنَّ رُوحَ مُحَمَّدٍ                   كَقُرآنِهِ في سِبْطِهِ مُتَجَسِّدُ

 

فَلَوْ عَلِمَتْ تِلْكَ الخُيولُ كَأَهْلِها              بِأَنَّ الَّذيِ تَحْتَ السَّنابِكِ أَحْمَدُ

 

لَثارَتْ على فُرْسَانِها وتَمَرَّدَتْ                  عَليْهِم كَما ثَاروا بِها وَتَمَرَّدوا

 

وأَعْظَمُ ما يُشْجِي الغَيُورَ حَرَائِرٌ               تُضَامُ وَحَامِيها الوَحيدُ مُقَيَّدُ

 

فَمِنْ مُوثَقٍ يَشْكُو التَّشَدُّدَ مِنْ يَدٍ             وَمُوثَقَةٍ تَبكي فَتَلْطِمُها اليَدُ

 

 

أبوذيّة:

 

امصابك يسعر ابقلبي وناراك                  صفيت من الحزن علّه وناراك

 

صدك جسمك يرضونه وناراك                 امعفّر عاري امسلّب رميّه

 

شعبي:

 

خويه انعمت عيني ولا شوفك                  ذبيح ويجري دم نحرك

 

واصحابك وأهل بيتك                         ضحايا مطرّحة بجنبك

 

عساها تعثّرت هالخيل                         ولا داست على صدرك

 

ويلي نادى بن سعد يا خيلنا وين             من يركب يرض ضلوع الحسين

 

يرض صدره والظهر زين                       ويرض الباقي لعظامه ويسدر

 

ركبت له من الفرسان عشره                   ولعبت خيلهم ويلي على صدره

 

 

بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام نادى عمر بن سعد بنداءين يحرقان القلوب:

 

النداء الأوّل: أحرقوا خيام الظالمين!! ففررن بنات رسول الله في البيداء بلا حامٍ ولا معين وهنَّ يصحن: وا محمّداه، واعليّاه..

 

يقول حميد بن مسلم: لمّا أحرقوا الخيام على بنات رسول الله فررن في البيداء، وبينما أنا أنظر إلى الخيام الملتهبة رأيت امرأة جليلة واقفة بباب الخيمة، وأحياناً تدخل في داخل الخيمة الملتهبة وتخرج، فأسرعت إليها وقلت: يا هذه ما وقوفك ههنا والنّار تشتعل من جوانبك وهؤلاء النسوة قد فررن وتفرّقن؟ ولمَ لم تلحق بهن؟ وما شأنك؟ فبكت وقالت: يا شيخ إنّ لنا عليلاً في الخيمة وهو لا يتمكّن من الجلوس والنهوض، فكيف أفارقه وقد أحاطت النّار به؟!

 

ويقول حميد بن مسلم أيضاً: ورأيت طفلة من أطفال الحسين عليه السلام قد فرّت في البيداء والنّار تلتهب في أذيالها وهي فزعة مرعوبة فاقتربتُ منها، قلت: بنيّة النّار كادت أن تلتهمك، فالتفتت إليَّ وهي تظنّ بأنّي من معسكر ابن سعد وقالت: يا شيخ أنت لنا أم علينا؟ قلت: سيّدتي أنا لا لكم ولا عليكم.

 

 

 

 

قالت: يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قلت: بلى، قالت: هل قرأت هذه الآية: }فأمّا اليتيم فلا تقهر{، قلت: بلى، قالت: يا شيخ أنا يتيمة الحسين عليه السلام ، قلت: بنيّة إلى أين ذاهبة؟ قالت: ذكرت لي عمّتي زينب أنّ لنا قبراً في النجف وهو قبر جدّي أمير المؤمنين أريد أن أمضي وألوذ به. قلت: بنيّة إنّ بينك وبين النجف مسافة، قالت: إذن يا شيخ دلّني على جسد والدي (الحسين عليه السلام )..

 

يقول: أخذت بيدها إلى جسد أبيها، لمّا رأته جثّة بلا رأس رمت بنفسها عليه، واعتنقته وهي تقول: أبه يا حسين! من الذي قطع الرأس الشريف؟ من الذي خضّب الشيب العفيف؟ من الذي أيتمني على صغر سنّي؟

 

يا والدي والله هظيمه            أنا صير من صغري يتيمه

 

أتاري الأبو يا ناس خيمه        يفيي على بناته وحريمه

 

والنداء الثاني: حينما نادى اللعين: ألا من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره! فانتدب عشرة أفراس وداسوا بحوافر خيولهم صدر الحسين وظهره..

 

ما حال بنات رسول الله وهنّ ينظرن إلى هذا المشهد، ما

 

 

حال زينب ساعد الله قلبها:

 

أنا أرْد انشد الخيّالة المقبلين                  لعبت على بن امي الميامين

 

بعده يون لو بطّل احسين                   ويلي بعد الذبح يا خوي داسوك

 

ولا راعوا لعد جدك ولا بوك                 كنت ذخري وتحت الخيل خلوك

 

ساعد الله قلبها، ما حالها والنساء قد تفرّقن عنها يميناً وشمالاً، والأطفال فررن في البيداء بعد هجوم الخيل على الخيام، خرجت زينب عليها السلام تتفقّدهم فوجدت طفلين ميتين على الثرى لا يُدرى هل ماتا من العطش؟! أم من دهشة خوف العدوّ؟!

 

خويه تحيرت والله ابيتاماك             ما ينحمل يحسين فرگاك

 

والمثل هذا الوگت ردناك

 

وعن بعضهم: لمّا خمدت النيران افتقدت زينب عليها السلام طفلين من الأطفال فجعلت تدور في المعركة وتبحث عنهما إلى أن وجدتهما وقد جعلا صدرهما على الرمل، ولمّا حرّكتهما وإذا بهما ماتا من شدّة العطش..

 

 

فجعل العسكر يوبّخ ابن سعد فأمر السقّائين أن يحملوا القرب ويعرضوا على الأطفال الماء، فجاء السقاؤن بالماء إلى الأطفال وهم ينادون: هلمّوا اشربوا الماء، لكنّ هؤلاء الأطفال لمّا رأوا الماء وقد أبيح لهم تصارخوا وأخذوا ينادون: نحن لا نشرب الماء وسيّدنا الحسين قتل عطشانا.

 

هالماي والله ما نشربه                     وحسين ظل عطشان قلبه

 

او فوق العطش طعنة الحربه               او گطعوا علينه الگوم دربه

 

ولمّا أمسى الليل وجاءت ليلة الحادي عشر من المحرّم، قامت الحوراء زينب عليها السلام بجمع العيال والأطفال في مكان واحد، أخذ الأطفال ينظر بعضهم إلى بعض، هذه تنادي: عمّه أين أبي؟ وذاك ينادي: أين عمّي؟ وآخر ينادي: عمّه أين أخي؟

 

صاحت يبو اليمه ابدمع جاري            بناتك زيِّدن عگبك مراري

 

يخويه المن أسكّت يو أباري               او تدري اشكم طفل عگبك تيتّم

 

 

 

 

وجاء أحد الأشخاص من معسكر ابن سعد ودنا من المخيّم، قالت: يا هذا ماذا تريد؟ قال: لقد أرسلني ابن سعد لحراستكم، قالت: أَوَ بعدَ عين أبي عبد الله وأبي الفضل أنت تحرسنا؟!

 

توجّهت إلى جهة النجف إلى أبيها أمير المؤمنين..

 

بويه عليَّ الليل هوّد                       وآنه حرمه وغريبه مالي أحد

 

وشيّال حملي راح وبعد                    بيمن يبويه القلب يضمد

 

بالحسين هالعندي مدّد                    وبن والدي العباس ما رد

 

وفي هذه الليلة افتقدت الحوراء زينب عليها السلام الرباب زوجة الإمام الحسين عليه السلام ، فأخذت تبحث عنها بين النساء فلم تجدها، فنزلت إلى ساحة المعركة، (رباب أين أنت؟) لعلّها تجدها عند جسد الحسين عليه السلام ، فلمّا صارت قريبة من الجسد سمعت أنيناً وحنيناً، فعرفت زينب أنّها الرباب، قالت:

رباب! ما الذي جاء بك إلى هنا؟! قالت: يا بنت رسول الله، إنّه لمّا أباح لنا القوم الماء درَّ اللبن في صدري فجئت لأرضع ولدي..

 

يبني يعبد الله اعلى فرگاك صبر             انفنى ودرّن ثداياك

 

يا دين گلي لحرمله وياك                  للماي حين اشبحت عيناك

 

نيشن عليك ابسهم ورماك                اوخيّب ارجاي الكان برباك

 

بُنَيَّ أَفِقْ منْ سَكْرَةِ المَوْتِ وَارْتَضِع          بِثّدْيَيكَ عَلَّ القَلْبَ يَهْدَأُ هائِمُه

 

 

مجلس دفن الإمام الحسين عليه السلام والأجساد الطاهرة

 

البِدارَ البِدارَ آلَ نِزارِ                      قدْ فُنِيتُمْ بِينَ بِيضِ الشِّفارِ

 

سَلَبَتْكُم بِالطَفِّ أيُّ نُفوسٍ                ألبَسَتْكُمْ أَسىً مَدى الأَعمارِ

 

يَومَ جُذَّتْ بِالطَفِّ كُلُّ يَمينٍ               مِنْ بَنِي غَالِبٍ وَكُلُّ يَسارِ

 

لا تَلِدْ هَاشِمِيَّةٌ عَلَوِياً                      إنْ تَرَكْتُمْ أُمَيَّةَ بِقَرارِ

 

طَأطِئُوا الرُؤوسَ إنَّ رَأْسَ حُسَينٍ            رَفَعَتْهُ فَوْقَ القَنا الخَطَّارِ

 

لا تَذوقُوا المَعينَ واقضُوا ظَمَايا             بَعْدَ ظَامٍ قَضَى بِحَدِّ الغِرارِ

 

أَنِزارُ نُضُّوا بُرودَ التهانِي                   فَحُسينٌ على البَسِيطَةِ عاري

 

لا تَمُدُّوا لَكُمْ عنِ الشمسِ ظِلَّاً            إنَّ في الشمسِ مُهجَةَ المُختارِ

 

 

حَقَّ أنْ لا تُكَفِّنوا عَلَوِيّاً                   بَعدَما كَفَّنَ الحُسينَ الذَاري

 

لا تَشُقُّوا لِآلِ فِهْرٍ قُبوراً                   فَابنُ طَهَ مُلْقىً بِلا إقْبارِ

 

هَتِّكُوا عنْ نِسائِكُمْ كُلَّ خِدْرٍ               هذهِ زَينبٌ على الأَكوار

 

ِأبوذيّة:

 

يناعي لو شفت شيعة وساده            اخبرهم بالجره اعلينه وساده

 

احسين الرمل صاير له وساده           ثلث تيّام مرمي اعلى الوطيّه

 

شعبي:

 

يجدي گوم شوف احسين مذبوح        على الشاطي وعلى التربان مطروح

 

يجدي ما بگت له من الطعن روح       يجدي قلب اخوي احسين فطّر

 

يجدي مات محّد وگف دونه              ولا نغّار غمضله اعيونه

 

يعالج بالشمس منخطف لونه            ولا واحد ابحلگه ماي قطّر

 

 

لمّا ارتحل عسكر ابن سعد عن كربلاء وساروا بالسبايا والرؤوس، مشت نساء يني أسد إلى المعركة وكانت في حيٍّ قريب من الواقعة، فرأت جثث أولاد الرسول وأفلاذ حشاشة الزهراء البتول وجثث أنصارهم تشخب الدماء من جراحاتهم فتداخل النساء من ذلك تمام العجب، فابتدرن إلى حيِّهن وقلن لأزواجهن ما شهدن ثمّ قلن لهم: بماذا تعتذرون من رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء إذا وردتم عليهم حيث إنَّكم لم تنصروا أولادهم ولا دفعتم عنهم بضربة سيف ولا بطعنة رمح؟!.

 

وبقيت النسوة يجلن ويقلن لهم: إن فاتتكم نصرة تلك العصابة النبويّة فقوموا الآن إلى أجسادهم الزكيّة فواروها، فبادِروا إلى مواراة أجساد آل الرسول وادفعوا عنكم بذلك العار.

 

فقالوا: إنّا نخاف من عبيد الله بن زياد وابن سعد تصبحنا خيولهم وينهبوننا أو يقتلوا أحدنا.

 

وقال كبيرهم: الرأي أن نجعل عيناً على طريق الكوفة ونحن نتولّى دفنهم، قالوا: هذا الرأي السديد.

 

ثمّ إنّهم وضعوا لهم عيناً وأقبلوا إلى جسد الحسين عليه السلام ، وصار لهم بكاء وعويل، ثمّ إنّهم اجتهدوا على أن يحرّكوه من مكانه ليشقّوا له ضريحاً فلم يقدروا أن يحرّكوا عضواً من

 

 

أعضائه، فقال أحدهم: ما ترون؟ قالوا: نجتهد أوّلاً في دفن أهل بيته ونرى رأينا فيه (في جسد الحسين عليه السلام ).

 

فقال كبيرهم: كيف يكون دفنكم لهم وما فيكم من يعرف هذا من هذا، وهم كما ترون جثث بلا رؤوس قد غيّرت محاسنهم الشمس والتراب؟

 

وإذا بفارس طلع عليهم على متن جواده وقد ضيّق لثامه فلمّا رأوه انكشفوا عن تلك الجثث الزواكي، فأقبل ونزل عن جواده وصار منحنياً كهيئة الراكع حتّى أتى ورمى بنفسه على جسد الحسين عليه السلام ، فجعل يشمّه تارة ويقبّله أخرى، وقد بلَّ لثامه من دموع عينيه، ثمّ رفع رأسه ونظر إلى بني أسد وقال: ما وقوفكم حول هذه الجثث؟ قالوا: أتينا للتفرّج عليها، قال: ما كان هذا قصدكم، فقالوا: نعم يا أخا العرب الآن نطلعك على ما في ضمائرنا، أتينا لندفن جسد الحسين عليه السلام..

 

قال بنو أسد: فخطَّ لنا خطّاً في الأرض وقال: احفروا هاهنا ففعلنا، ووضعنا فيها، سبعة عشرة جثّة. ثمّ خطَّ لنا خطّاً آخر وقال: احفروا هاهنا ففعلنا، ووضعنا فيها باقي الجثث واستثنى جثّة واحدة فأمرنا أن نشقَّ لها ضريحاً ممّا يلي الرأس الشريف ففعلنا.

 

 

وقال لهم: أمّا الحفيرة الأولى ففيها أهل بيته، وأمّا الحفيرة الثانية ففيها أصحابه، وأمّا القبر المنفرد ممّا يلي الرأس الشريف، فهو حامل راية الحسين عليه السلام حبيب ابن مظاهر.

 

ثمّ أقبلنا لنعينه على جسد الحسين عليه السلام وإذا هو يقول لنا: أنا أكفيكم أمره، فقلنا: يا أخا العرب كيف تكفينا أمره وكلّنا اجتهدنا على أن نحرّك عضواً من أعضائه فلم نقدر عليه، فبكى بكاءً شديداً وقال: إنّ معي من يعينني عليه، ثمّ جثى على الأرض وبسط كفّيه تحت ظهره الشريف وهو يقول: بسم الله وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملّة رسول الله، هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، ما شاء الله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

 

وقيل إنّه قال: يا بني أسد عليّ بحصيرة!! قالوا: ما تصنع بها. قال: لأضع عليها أوصال الحسين عليه السلام المقطّعة، فناولوه حصيرة جمع عليها أوصال الحسين عليه السلام.

 

وقيل أيضاً: إنّه عليه السلام أخذ يبحث قريباً من جسد الحسين عليه السلام عن شيء لم يكن يدري ما هو، وإذا به ينحني إلى الأرض فيحمل إصبعاً كان قد قطع من أصابع الحسين عليه السلام ثمّ وضعه في محلّه من يد أبيه الحسين وأنزل أباه في قبره وحده لم يشرك

 

 

معه أحداً من بني أسد.

 

(العادة عندما يودّع الميّت يقبّل في جبينه! أو يوضع الخدّ على خدّه! ولكن الحسين عليه السلام كان جثّة بلا رأس، فكيف ودّعه الإمام زين العابدين عليه السلام ؟!)..

 

قال بنو أسد: فرأيناه قد وضع خدّه على نحره الشريف، وهو يبكي وسمعناه يقول: طوبى لأرض تضمّنت جسدك الشريف، أمّا الدنيا فبعدك مظلمة، وأمّا الآخرة فبنورك مشرقة، أمّا الحزن فسرمد، وأمّا الليل فمسهّد، حتّى يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت مقيم بها، وعليك منّي سلام الله يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته. ثمّ أشرج عليه اللِّبن وأهال عليه التراب.

 

ثمّ وضع كفّه على القبر وجعل يخطّ القبر بأنامله، وقال بعضهم إنّه كتب: هذا قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً.

 

وقيل: وضع الطفل الرضيع إلى جنب والده في قبره، بناءً على وصيّة سابقة من الحسين عليه السلام لولده زين العابدين عليه السلام قال له: بني إذا جئت لمواراة الأجساد وسِّد رضيعي إلى جنبي.

 

 

بويه الطفل خلّه اعلى صدري              وابرفق حط نحره اعلى نحري

لا ينثلم جرحه يذخري

 

قال بنو أسد: ثمّ التفت إلينا وقال: انظروا عل بقي أحد؟ فقالوا: نعم يا أخا العرب بقي بطل مطروح حول المسنّاة، كلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر، لكثرة ضرب السيوف والسهام.

 

فقال عليه السلام: امضوا بنا إليه، فمضينا فلمّا رآه انكبّ عليه يقبّله وهو يقول: على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم!

 

يعمي اخلاف عينك يسرتنا اعداك          گوم انهض واشهر سيفك الفتاك

 

هذا الواك ما تنهض تشيل الواك            نايم يا ذخر زينب او كلثومه

 

ثمّ أمرهم أن يشقّوا له ضريحاً، قال بنو أسد: ففعلنا ثمّ أنزله وحده ولم يشرك معه أحداً منّا، ثمّ أشرج عليه اللِّبن وأهال عليه التراب.

 

ثمّ مضى إلى جواده فتبعناه ودرنا عليه نسأله عن نفسه فعرّفهم أوّلاً بالقبور قبراً قبرا، وأمرهم أن يعملوا النّاس ويعرّفوهم قبر الحسين عليه السلام وأصحابه، ثمّ قال: وأمّا أنا فإمامكم عليّ بن الحسين عليهما السلام ، فقلنا له: أنت عليّ؟! فقال: نعم، فأقبلوا عليه يقبّلونه ويقولون: عظّم الله لك الأجر بأبيك الحسين، قالوا فغاب عن أبصارنا.

 

 

قال الراوي: ورجع إلى الكوفة وإذا بعمّته زينب عليها السلام التي كانت قلقة عليه تستقبله بقولها: يا بن أخي أين كنت هذا اليوم إلى هذه الساعة؟ قال: عمّه مضيت إلى دفن أبي الغريب، فبكت وقالت: يا بن أخي إلى الآن لم يدفن أبوك الحسين؟!

 

بالله ارد انشدك ماي شربته يدفّان               بخيّت قلبه لو دفنت احسين عطشان

 

بالله يدفّان ارد انشدك رد عليّه                  عطشان خويه لو شرب قطرة اميّه

 

وحين الدفنته كان بخيّت المنيّه                   خاطر ترد روحه تراه مات لهفان

 

بالله يحفّار القبر وسّع باب قبره                  وسهم لبقلبه من تنزّله بهون جرّه

 

من نزّله بهيده ترى مكسور صدره               ظل بالمعركة تلعب عليه الخيل ميدان

 

يا نازِلِينَ بِكَرْبَلا هَلْ عِنْدَكُمْ                     خَبَرٌ بِقَتلانا وَما أَعْلامُها

 

مَا حَالُ جُثَّةِ مَيِّتٍ في أَرْضِكُم                   بَقِيَتْ ثَلاثاً لا يُزَارُ مَقامُها

 

باللهِ هَلْ وَاريْتُمُوها في الثَرى                     وهَلْ استقرَّتْ في اللحودِ مَرامُها

 

 

مجلس وداع الأجساد الطاهرة

 

لَمْ أَنْسَ زَيْنَبَ بَعْدَ الخِدْرِ حَاسِرَةً                      تُبْدِي النِّياحَةَ أَلحَاناً فَأَلحَانا

 

مَسْجُورَةَ القَلْبِ إلَّا أَنَّ أَعْيُنَها                         كَالمُعْصِراتِ تَصُبُّ الدَّمَعَ عُقْيانا

 

تَدعُو أَباها أميرَ المؤمنينَ ألا                          يا وَالِدِي حَكَمَتْ فِينا رَعَايَانا

 

وَغَابَ عَنَّا المُحَامِي وَالكَفِيلُ فَمَنْ                     يَحْمِي حِمَانا وَمَنْ يَأَوِي يَتَامَانا

 

إنْ عَسْعَسْ الليلُ وَارَى بَذْلَ أَوجُهِنا                   وَإنْ تَنَفَّسَ وَجْهُ الصُّبحِ أَبدانا

 

قُمْ يا عليُّ فَمَا هَذا القُعودُ ومَا                       عَهْدِي تَغُضُّ على الأَقْذَاءِ أَجْفانا

 

فَانْهَضْ لَعَلَّكَ مِنْ أَسْرٍ أَضَرَّ بِنا                      تَفُكُّنا أوْ تَوَلَّى دَفْنَ قَتْلانا

 

وَتَارةً تَنْثَنِي تَدْعو عَشِيرَتَها                            مِنْ شَيْبَةِ الحَمْدِ أَشْياخاً وَشُبّانا

 

قُوموا غِضَاباً عَنِ الأَجْداثِ وَانْتَدِبوا                   وَاسْتَنْقِذُوا مِنَ يَدِ البَلوَى بَقايانا

 

هَذا حُسينٌ بِلا غُسْلٍ ولا كَفَنٍ                       عَارٍ تَجولُ عليهِ الخَيلُ مَيْدانا

 

 

أبوذيّة:

 

يا حادي العيس بالله عليك ونهن                     لمّن يقضن خوات حسين ونهن

 

هذي الجثث گلي الروس ونهن                        لابن زياد ودّوها هديّه

 

شعبي:

 

لمّن حدى الحادي                         بودايع الهادي

 

لن زينب اتنادي                          ابهونك يحادينه

 

لاوين بينه اتريد                           گاطع افجوج البيد

 

خاف الطريق ابعيد                       والتعب يئذينه

 

واحنه حرم واطفال                       ما ضلّت النه ارجال

 

نمشي اعلى هذا الحال                    مو هيّن اعلينه

 

مروا على العباس

 

 

جثّه بليّا راس                      اشلون الصبر يا ناس

 

نمشي وتخلّونه                     مروا على الجاسم

 

وعلى الثرى نايم                   نادوا بني هاشم

 

خلهم يزفونه                      مروا على الأكبر

 

وعلى الثرى معفّر                 نادوا بني حيدر

 

خلهم يشيلونه                    مروا على العطشان

 

وعلى الثرى عريان                 نادوا بني عدنان

 

خلهم يكفنونه                    مروا على ابن امّي

 

وعلى الثرى مرمي                 نادوا بني عمي

 

خلهم يدفنونه

 

 

لم يكتف القوم بقتل الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، بل أمر ابن سعد لعنه الله بالرؤوس فقطعت إلّا رأس الحرّ فقد قالوا بأنّ عشيرته منعت من قطع رأسه وأخذوه فدفنوه بعيداً.

 

واقتسمت القبائل الرؤوس الطاهرة لتتقرّب بها إلى عبيد الله ابن زياد لعنه الله، وسيّرها لبن سعد مع الشمر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجّاج أمامه إلى الكوفة، وأمّا رأس الحسين عليه السلام فسرّحه مع خولّى بن يزيد الأصبحيّ..

 

وأقام ابن سعد مع الجيش إلى الزوال من اليوم الحادي عشر، فجمع قتلاه وصلّى عليهم، ودفنهم، وترك سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة الرسول الأكرم ومن معه من أهل بيته وصحبه، بلا غسل ولا كفن ولا دفن، تسفي عليهم الصبا، ويزورهم وحش الفلا..

 

فَإنْ يُمْسِ فَوْقَ التُّربِ عُرْيانَ لَمْ تُقِمْ                      لهُ مَأْتَماً تَبْكِيهِ فيهِ مَحَارِمُه

 

فَأَيُّ حَشاً لَمْ يُمْسِ قَبْراً لِجِسْمِهِ                           وفي أيِّ قَلْبٍ ما أُقِيمَتْ مَآتِمُه

 

وبعد الزوال ارتحل إلى الكوفة ومعه نساء الحسين وصبيته وجواريه وعيالات الأصحاب وكنّ عشرين امرأة وسيّروهنّ على أقتاب الجمال بغير وطاء، كما يساق السبي، وهنّ ودائع خير الأنبياء، ومعهن السجّاد عليّ بن الحسين عليهما السلام وهو على بعير

 

 

ضالع بغير وطاء وقد أنهكته العلّة والمرض، والجامعة التي في عنقه، ومعه ولده الباقر عليه السلام وهو صغير..

 

قال الراوي: لما كان اليوم الحادي عشر من المحرّم أمر ابن سعد بأن تحمل النساء على الأقتاب بلا وطاء، فقدّمت النياق إلى حرم رسول الله وقد أحاط القوم بهن، وقيل لهن: تعالين واركبن فقد أمر ابن سعد بالرحيل، فلمّا نظرت زينب عليها السلام إلى ذلك قالت: سوّد الله وجهك يا ابن سعد في الدنيا والآخرة، أتأمر هؤلاء القوم أن يركِّبونا ونحن ودائع رسول الله صلى الله عليه وآله؟!، فقل لهم يتباعدون عنّا يُركّب بعضنا بعضاً، فقال: تنحّوا عنهن.

 

فتقدّمت زينب ومعها أمّ كلثوم وجعلت تنادي كلّ واحدة من النساء باسمها وتركبها على المحمل حتّى لم يبق أحد سوى زينب عليها السلام فنظرت يميناً وشمالاً فلم تر أحداً سوى زين العابدين عليه السلام وهو مريض فأتت إليه وقالت: قم يا بن أخي واركب الناقة، فقال: يا عمّتاه اركبي أنت ودعيني أنا وهؤلاء القوم..(لكن) عمّه أنت من يركبك؟

 

عندها تذكّرت ذلك العزّ الشامخ والدلال المانع، وجّهت وجهها إلى جهة العلقميّ وصاحت: نور عيني عبّاس، عزيزي

 

 

عبّاس، أنت الذي أخرجتني من منزلي وأركبتني في محملي، قم الآن وركّب أختك.

 

يا عباس منته اللي جبتني                          وبيدك يا عزّي ركّبتني

 

وطول الدرب ما فارگتني                           ليش هالساعة عفتني

 

رحت عني يخويه وضيّعتني                         بعدك بني ميّه ولتني

 

انهض يخويه وشوف متني                         ترى سياط زجر الورمتني

 

ثمّ بعد حملهم على الأقتاب العارية، مرّوا بهم على مصارع القتلى، أمّا النسوة فلمّا نظرن إليهم مقطّعي الأوصال، قد طعنتهم سمر الرماح، ونهلت من دمائهم بيض الصفاح، وطحنتهم الخيل بسنابكها، صحن وولون ولطمن الخدود..

 

أمّا زينب عليها السلام فجعلت تحدّ النظر إلى جسم أخيها الحسين عليه السلام ، ولمّا رأته بتلك الحالة جثّةً بلا راس، ملقى على الثرى، جعلت تندبه وترثيه، قال الراوي: فوالله لا أنسى زينب ابنة عليّ وهي تندب الحسين عليه السلام ، وتنادي بصوتٍ حزين وقلبٍ كئيب: وا محمّداه، صلّى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء،

 

 

مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، محزوز الراس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، يا محمّداه، وبناتك سبايا! وذريّتك مقتّلة تسفي عليهم ريح الصبا، بأبي من عسكره يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطّع العُرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا هو مريض فيُداوى، بأبي المهموم حتّى قضى، بأبي العطشان حتّى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء..

 

إلى الله المشتكى وإلى محمّد المصطفى وإلى عليّ المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيّد الشهداء..واحزناه، واكرباه عليك يا أبا عبد الله، اليوم مات جدّي رسول الله....يابه يجدّي!!

 

تعالوا لابنكم غسلوه                         والكفن ويّاكم دجيبوه

 

وجيبوا قطن للجرح نشفوه                    وعلى اكتافكم لحسين شيلوه

 

وبهداي وسط القبر خلّوه

 

قال الراوي: فأبكت والله كلّ عدوّ وصديق..

 

ثمّ وقفت على جسده الشريف بخشوعٍ وتأمّل وبسطت يديها تحت الجثمان المقدّس ورفعته نحو السماء وقالت: إلهي تقبّل منّا هذا القربان!

 

 

وأمّا سكينة فقد توجّهت إلى أبيها الحسين عليه السلام ، ولمّا رأته بتلك الحالة مكبوباً على وجهه، قد قطع الشمر رأسه، وداست الخيل صدره وظهره، صاحت: وا أبتاه وا حسيناه..

 

رمت بنفسها على جسده تقبّله وهي تنادي: أبه من الذي قطع الرأس الشريف؟! أبه من الذي خضّب الشيب العفيف؟! أبه من الذي أيتمني؟!

 

يا بوي من قطع راسك                         ويا هو السلب ثيابك

 

يا بوي غطّى كل مصاب                       مصاب لما جرى مصابك

 

قبل ما شوفك بهالحال                         يا ريت انعمت عيناي

 

نعمت عيناي ولا شوفك                      ذبيح ويجري دم نحرك

 

واصحابك واهل بيتك                        ضحايا مطرّحة بصفّك

 

عساها تعثّرت هالخيل                        ولا داست على صدرك

 

تقول سكينة وبينما هي على صدر الحسين عليه السلام وإذا بها تسمع صوتاً من نحره الشريف: بنيّه سكينة اقرأي شيعتي عنّي السلام، وقولي لهم إنّ أبي قتل عطشاناً فاذكروه، ومات غريباً فاندبوه:

 

 

شِيعَتي مَهْما شَرِبْتُمْ عَذْبَ مَاءٍ فَاذْكُرُونِي                        أوْ سَمِعْتُم بِشَهيدٍ أوْ غَريبٍ فاندِبونِي

 

فأَنا السِّبْطُ الَّذي مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ قَتَلُونِي                          وَبِجُرْدِ الخَيْلِ بَعْدَ القَتْلِ عَمْداً سَحَقُونِي

 

لَيْتَكُمْ في يَوْمِ عاشُورا جَميعاً تَنْظُرونِي                          كيفَ أسْتَسْقِي لِطِفْلِي فَأَبَوْا أنْ يَرْحَمُونِي

فَسَقَوْهُ سَهْمَ بَغْيٍ عِوَضَ الماءِ المَعينِ

 

بينما سكينة عند جسد أبيها الحسين عليه السلام ، أقبل الأعداء لينحّوها عن جسد الحسين عليه السلام لكنّها أبت، عظّم الله لكم الأجر!! فجرّوها ونحّوها بالسياط!! بويه..

 

ردت انصب مناحه عليك                       ليش العدا منعوني

 

وليش اعيوني من تدمع                          بكعب الرمح ضربوني

 

برضاك لو رغمن عليك                         يجرني الشمر من بين ايديك

 

وانا اصرخ وادير العين ليك                      معذور يلحزوا وريديك

 

 

وَأَهْوَتْ على جِسْمِ الحُسينِ فَضَمَّها               إلى صَدْرِهِ ما بَينَ يُمْناهُ واليُسْرى

 

فَما تَرَكَتْها تَسْتَجِيرُ سِياطُهُمْ                      بِجِسْمِ أَبيها حِينَما انتُزِعَتْ قَسْرَى

 

 

 

 

 

 

 

 

مجلس الخروج من كربلاء

 

وأعظَمُ خَطْبٍ زَلزَلَ الكوْنَ شَجْوُهُ                    وَدَكَّ الرَواسي فَهِيَ مِنهُ رِمامُ

 

هُجومُ العِدى بَغْياً على حُجُبِ أحمَدٍ                ولمْ تُرْعَ فيها لِلنَبيِّ ذِمامُ

 

فَبيْنا بَناتُ الوَحي في الخِدْرِ إذْ بِها                    أَحاطَتْ لِسَلْبِ الطَّاهِراتِ لِئامُ

 

فَفَرَّتْ منَ الأَعداءِ حَسْرى مَرُوعَةً                    لَها الصَّونُ سِتْرٌ والعَفافُ لِثامُ

 

تُجيلُ بِطَرْفٍ لِلحُماةِ فَلا تَرى                        سِوَى جُثَثٍ قَدْ غالَهُنَّ حِمامُ

 

وَنادَتْ وَقدْ عَضَّ المُصابُ فُؤادَها                   وَشَبَّ لَها بينَ الضُّلوعِ ضِرامُ

 

أَيا سَائِقَ الأَضْعانِ قِفْ لي هُنَيْئَةً                    فَها إِخْوَتِي فَوْقَ الصَّعيدِ نِيامُ

 

أُغَسِّلُ أَجْسَاداً لَهُم بِمَدامِعٍ                           أُكَفْكِفُها بِالرَّاحِ وَهيَ سِجامُ

 

فَمَرُّوا بِها وِالهاشِمِيُّونَ كُلُّهُم                           ضَحايا عَلى شَاطِي الفُراتِ نِيامُ

 

فَنادَتْهُمُ قُومُوا عُجالاً فَما العَرى                     بِدارٍ وَلا هَذا المُقامُ مَقامُ

 

فَماجَتْ على وَجْهِ الصَّعيدِ جُسُومُهُمْ                 وَلَوْ أَذِنَ اللهُ القِيامَ لَقامُوا

 

 

أبوذيّة:

 

حدا حادي الفلا بركبه وظعنه                  الدهر من عقب رفعتنه وظعنه

 

تسلّبنا وتيسّرنا وظعنه                         بعد عبّاس حماي الحميّه

 

شعبي:

 

يحادي الركب گلّي وين تردون                 على جثة ولينه ما تمرّون

 

يحادي الركب لا تبخل علينه                   تمر بينه على عزنه وولينه

 

يمّه تگعد سويعه سكينه                       تشمّه وتلثم جروحه وتشيلون

 

مر بينه نودّع حسين ساعه                    يسر قبلي ويرد روحي وداعه

 

مهو حسين الكسر قلبي وراعه                 وخلّه القلب طول الدهر محزون

 

 

لمّا مرّوا بالنساء على أرض المعركة، أرادت زينب عليها السلام أن ترمي بنفسها من على ظهر النّاقة، فناداها السجّاد عليه السلام: عمّة ارحمي حالي، ارحمي ضعف بدني إذا رميت بنفسك من يركّبك وأنا مقيّد؟ قالت: يا بن أخي أريد أن أودّع أخي الحسين عليه السلام ، فقال لها: عمّة ودّعي أخاك وأنت على ظهر النّاقة، فجعلت تنادي:

 

أودعتك الله السميع العليم، يا بن أمّ، أخي لقد جاؤنا بالنّياق مهزولة لا موطّأة ولا مرحولة، والله لو خيّروني بين المقام عندك أو الرحيل عنك، لاخترت المقام عندك ولو أنّ السباع تأكل لحمي..ولكن هذه نياق الرحيل تجاذبنا بالمسير..

 

اشلون أمشي وخلّي حسين وحده                            طريح ويابس من العطش كبده

 

يا ريت خدي معفّر دون خدّه                               وقلبي دون قلبه كان مطعون

 

ودعتك الله يا ذبيح الما شرب ماي                          وعنك ينور العين سافرت بيتاماي

 

يا مقطع الأوصال لو يحصل على هواي                      ما فارقت جسمك يبو روح الحنينه

 

 

 

ودعتك الله سفرتي صعبة وطويلة                  يحجاب عزّي ناقتي عجفه وهزيله

 

ما بقى منكم واحد يخوتي اشتكيله                بس العليل وفوق ناقه مقيدينه

 

وأمّا الإمام زين العابدين فروي عنه أنّه قال:

 

إنّه لمّا أصابنا بالطفّ ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وساير أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا، فيعظم ذلك في صدري، ويشتدّ لمّا أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج، وتبيّنت ذلك منّي عمّتي زينب بنت عليّ الكبرى، فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مصرّعين بدمائهم مرمّلين بالعراء، مسلّبين لا يكفّنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنّهم أهل بيت من الديلم والخزر.

 

(فأخذت تسكّنه وتسلّيه) فقالت: لا يجزعنّك ما ترى، فوالله إنّ ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

 

 

إلى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة وينصبون لهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء عليه السلام لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور اللّيالي والأيّام، وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلّا ظهورا وأمره إلّا علوّاً...

 

حيّرني الدهر بحسين                       وعليَّ ثقل همّه

 

لا أگدر أعوفنّه                            ولا أگدر أظل يمّه

 

شلون امشي وخلي حسين                جسمه موسّد الغبره

 

بحر الشمس عاري                        ودمه يسيل من نحره

 

يا هو يغسله خلافي                       ويا هو ينزله بقبره

 

ويا هو يوسده بلحده                     ويشيل سهم البكبده

 

 

وأمّا أمّ كلثوم فلمّا نظرت إلى أخيها الحسين عليه السلام ، وقعت على الأرض وحضنت جسده، وهي تقول ببكاء وعويل: يا رسول الله انظر إلى جسد ولدك ملقىً على الأرض بغير غسل، وكفنه الرمل السافي عليه، وغسله دمه الجاري من وريديه، وهؤلاء أهل بيته يساقون أسارى في سبي الذلّ، ليس لهم محامٍ يمانع عنهم، ورؤوس أولاده مع رأسه الشريف على الرماح كالأقمار..

 

يحادي الظعن بالله الظعن وانه                 ما تسمع ولينه كثر وانه

 

يظل عاري على التربان وانه                   أروح ابيسر للطاغي هديّه

 

وهكذا وقعن النسوة على مصارع قتلاهنّ ينحن ويبكين ويندبن وأطلن المقام والنياحة على جسوم القتلى، فأتاهن زجر بن قيس وصاح بهن، فلم يقمن، فأخذ يضربهنّ بالسوط، واجتمع عليهن النّاس حتّى أركبوهنّ على الجمال قهراً..

 

وسيّروا النسوة إلى الكوفة سبايا على أقتاب المطايا، وهم على تلك الحالة التي ينكسر لها القلب ويدمى لها الحشا..

 

 

لكن زينب عليها السلام تنظر بعينها وتودّع كربلاء، تترك أحبّتها على الثرى، أجساداً بلا رؤوس، وتفارق معهم جسد أخيها الحسين عليه السلام..

 

أنا لو ينشرى الموت اشتريته                أنا مشيت درب الما مشيته

 

وذبّاح اخيي رافقيته                       شتم والدي وانكر وصيته

 

خرجت من كربلاء وقلبها نصفان، نصف بقي مع جسده الملقى بالعراء، ونصف مع رأسه الذي سبقها إلى الكوفة، ولم تَرَ وجه أخيها منذ ليلتين..

 

خرج الركب من كربلاء وأدخلوه إلى الكوفة، زينب عليها السلام تنظر، وإذا بضجّة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين عليه السلام وهو رأس زهريّ قمريّ أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله، ووجهه دارة قمر طالع والرمح تلعب بها يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فضربت جبينها بمقدّم المحمل، حتّى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها، وأومأت إليه بحرقة وجعلت تقول:

 

 

يا هِلالاً لَمّا اسْتَتَمَّ كَمالا                  غَالَهُ خَسْفُهُ فَأَبْدَى غُروبا

 

مَا تَوَهَّمْتُ يا شَقِيقَ فُؤادِي                 كانَ هَذا مُقَدَّراً مَكتُوبا

 

 

مجلس الدخول إلى الكوفة

 

ما إِنْ بَقِيتَ مِنَ الهَوانِ عَلى الثَّرى                  مُلْقىً ثَلاثاً فِي رُباً وَوِهادِ

 

لَكِن لِكَي تَقْضِي عَليكَ صَلاتَها                    زُمَرُ المَلائِكِ فَوْقَ سَبْعِ شِدادِ

 

لَهْفِي لِرَأْسِكَ وَهوَ يُرْفَعُ مُشرِقاً                       كَالبَدْرِ فَوْقَ الذَّابِلِ المَيَّادِ

 

يَتْلُو الكِتابَ وَما سَمِعْتُ بَواعِظٍ                     اتَّخَذَ القَنا بَدَلاً عَنِ الأَعْوادِ

 

لَهْفِي عَلى الصَّدْرِ المُعَظَّمِ يَشْتَكِي                   مِنَ بَعْدِ رَشْقِ النَّبْلِ رَضَّ جِيادِ

 

وَالَهْفَتاهُ عَلى خُزَانَةِ عِلْمِكَ                          السَجَّادِ وَهوَ يُقادُ بِالأَصْفادِ

 

بَادِي الضَّنا يَشْكُو عَلى عَاري المَطَى                عَضَّ القُّيودِ ونَهْشَةَ الأَقْتادِ

 

ما لِي أَراكَ وَدَمْعُ عَيْنِكَ جَامِدٌ                       أَوَ ما سَمِعْتَ بِمِحْنَةِ السَجّادِ

 

وَيَصيحُ وَا جَدَّاهُ أَيْنَ عَشِيرَتِي                        وَسُراةُ قَوْمِي أيْنَ أَهْلُ وِدادِي

 

مِنْهُمْ خَلَتْ تِلْكَ الدِّيارُ وَبَعْدَهُم                    نَعَبَ الغُرابُ بِفِرْقَةٍ وَبُعادِ

 

 

أبوذيّة:

 

المرض والقيد للسجاد باريه                         يصد شمر وزجر للظعن باريه

 

راس الدين من الجسد باريه                         ابراس الرمح راس ابن الزكيّه

 

شعبي:

 

گضوا بالطف قتل قومه وعمامه                   اوظلوا عالترب صرعه ونيامه

 

بس ظلّت حرم تبكي ويتامه                      على اظهور الهزل ومسلّبيها

 

الله يساعد السجّاد صبره                         مريض ومنحني من القيد ظهره

 

يشوف الحرم فوق النوق يسره                    وعن وجوهها تستر بديها

 

ما تدري يخويه اشلون حالي                      اشحال الغريبه بغير والي

 

براس الرمح راسك اگبالي                        كلمن شاف ذل حالي بكا لي

 

 

عن مسلم الجصّاص قال: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا أجصّص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت: مالي أرى الكوفة تضجّ؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجيّ خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجيّ؟ فقال: الحسين بن عليّ عليهما السلام قال: فتركت الخادم حتّى خرج ولطمت وجهي حتّى خشيت على عيني أن يذهب، وغسلت يدي من الجصّ وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكنّاس فبينما أنا واقف والنّاس يتوقّعون وصول السبايا والرؤوس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقّة تحمل على أربعين جملاً فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة عليها السلام وإذا بعليّ بن الحسين عليهما السلام على بعير بغير وطاء، وأوداجه تشخب دماً، وهو مع ذلك يبكي ويقول:

 

يا أُمَّةَ السَوْءِ لا سَقْياً لِرَبْعِكُمُ                  يا أُمَّةً لَمْ تُراعِ جَدَّنا فِينا

 

لَوْ أَنَّنا وَرسولُ اللهِ يَجْمَعُنا                     يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُم تَقولُونا

 

تُسَيِّرونا عَلى الأَقْتابِ عَارِيَةً                   كَأَنَّنا لَمْ نُشَيِّدْ فِيكمُ دِينا

 

تُصَفِّقُونَ عَلَيْنا كَفَّكُم فَرَحاً                   وَأَنْتُمُ فِي فِجَاجِ الأَرْضِ تَسْبُونا

 

قال: وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل

 

 

بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أمّ كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة إنّ الصدقة علينا حرام، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض..

 

تتصدق الوادم علينه                         وعطايا الخلق كلها من ادينه

 

ما خاب ظنه اليعتنينه                        يظل كل سنه يروح ويجينه

 

قال كلّ ذلك والنّاس يبكون على ما أصابهم..

 

وكان النّاس يتفرّجون على بنات رسول الله، فصاحت بهم أمّ كلثوم: يا أهل الكوفة، غضّوا أبصاركم عنّا أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حرم رسول الله!

 

اشمال النّاس تتفرج علينه                    عمت عينه اليصد بالعين لينه

 

يخسه الگال لن غايب ولينه                 وراسه اعلى الرمح لينه ايتفكر

 

وخطبت أمّ كلثوم بنت عليّ عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلّتها، رافعة صوتها بالبكاء، فقالت: يا أهل الكوفة سوأة لكم، مالكم خذلتم حسيناً وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبّاً لكم وسحقاً، ويلكم أتدرون أيّ دواه دهتكم؟

 

 

وأيّ وزر على ظهوركم حملتم؟ وأيّ دماء سفكتموها؟ وأيّ كريمة أصبتموها؟ وأيّ صبية سلبتموها، وأيّ أموال انتهبتموها؟ قتلتم خير رجالات بعد النبيّ، ونزعت الرحمة من قلوبكم ألّا إنّ حزب الله هم الفائزون، وحزب الشيطان هم الخاسرون..

 

فضجّ النّاس بالبكاء، والحنين والنوح، ووضعن التراب على رؤوسهنّ، وخمشن وجوههنّ، وضربن خدودهنّ، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال، فلم يُرَ باكية وباك أكثر من ذلك اليوم..

 

وعن حذلم بن ستير، قال: قدمت الكوفة في المحرّم من سنة إحدى وستّين، مُنصرَف عليّ بن الحسين عليهما السلام بالنسوة من كربلاء ومعهم الأجناد يحيطون بهم، وقد خرج النّاس للنظر إليهم، فلمّا أقبل بهم على الجمال بغير وطاء جعل نساء الكوفة يبكين، ويلتدمن1، فسمعت عليّ بن الحسين عليه السلام وهو يقول بصوت ضئيل، وقد نهكته العلّة، وفي عنقه الجامعة، ويده مغلولة إلى عنقه: إنّ هؤلاء النسوة يبكين، فمن قتلنا؟!

 

قال الراوي: ثمّ إنّ زين العابدين عليه السلام أومأ إلى النّاس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبيّ وصلّى عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس، من عرفني فقد عرفني، ومن

 

1- يضربن صدورهنّ في النياحة.

 

ومن لم يعرفني فأنا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات، من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه وسلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً وكفى بذلك فخراً.

 

أيّها النّاس!..بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إذ يقول لكم: قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمّتي ؟ قال: فارتفعت أصوات النّاس من كلّ ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون؟..

 

ثمّ جعلوا يطلبون من الإمام أن يكونوا سلماً لمن سالمه وحرباً لمن حاربه، فرفض الإمام ذلك، وقال: هيهات هيهات.. فإنّ الجرح لمّا يندمل، قتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه، ولم ينسنِ ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهاتي2، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه يجري في فراش صدري ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا..ثمّ قال:

 

لا غَرْوَ إِنْ قُتِلَ الحُسينُ فَشَيْخُهُ                 قَدْ كانَ خَيْراً مِنْ حُسينٍ وَأَكْرَما

 

فلا تَفْرَحُوا يا أَهْلَ كُوفَانَ بِالَّذي                أصاب حُسيناً كانَ ذلكَ أَعْظَم

 

 

2- اللحمة في أقصى الفم.

 

قَتيلٌ بِشَطِّ النَّهْرِ رُوحي فِداؤُهُ                جَزاءُ الَّذي أَرْداهُ نَارُ جَهَنَّما

 

قال الراوي: ورأيت زينب بنت عليّ عليهما السلام ولم أرَ خفرة قطّ أنطق منها، كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام. قال: وقد أومأت إلى النّاس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس، وسكنت الأصوات، فقالت:الحمد لله، والصلاة على أبي رسول الله صلى الله عليه وآله. أمّا بعد: يا أهل الكوفة، ويا أهل الختل والخذل، فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنّة، فإنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا... إلى أن قالت: أتبكون! إيّ والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، ولقد فزتم بعارها وشنارها، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبداً..ويلكم! أتدرون أيّ كبد لمحمّد فريتم، وأيّ دم له سفكتم، وأيّ كريمة له أصبتم، لقد جئتم شيئا إدّا تكاد السماوات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً.

 

إلى أن انتهت من خطبتها وسكتت، قال الراوي: فرأيت النّاس حيارى، قد ردّوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً قد بكى حتّى اخضلّت لحيته، ويده مرفوعة إلى السماء، وهو يقول: بأبي وأمّي كهولهم خير الكهول، وشبابهم خير شباب، ونسلهم نسل كريم، وفضلهم فضل عظيم، ثمّ أنشد شعراً:

 

 

كُهُولُهُم خَيْرُ الكُهُولِ وَنَسْلُهُم                 إِذا عُدَّ نَسْلٌ لا يَبورُ وَلا يَخْزَى

 

فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام : يا عمّة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير معلّمة، فهمة غير مفهّمة، إنّ البكاء والحنين لا يردّان من قد أباده الدهر، فسكتت، ثمّ نزل عليه السلام وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط..

 

كنت ما ينسمع يا ناس صوتي               عقيله امخدّره ومرفوع صيتي

 

عالي المجد بين النّاس بيتي                    تاليها بأسر ما بين غدّر

 

لا تَبْزَغِي يا شَمْسُ مِنْ أُفُقٍ حَياً              مِنْ زَيْنَبٍ فَلَقَدْ أَطَلْتِ أَنِينَها

 

ذُوبِي فَقَدْ أَذَبْتِ فُؤادَ مَنْ كَا                  نَتْ تُظَلِّلُها الأُسودُ عَرِينَها

 

 

 

 

 

 

 

 

مجلس رأس الحسين عليه السلام في الكوفة ومجلس ابن زياد

 

يا مَنْ إِذا عُدَّتْ فَضَائِلُ غَيْرِهِ                        رَجَحَتْ فَضائِلُهُ وَكانَ الأَفْضَلا

 

إِنْ يَحْسُدوكَ عَلى عُلاكَ فَإنَّما                        مُتَسَافِلُ الدَّرَجاتِ يِحْسُدُ مَنْ عَلا

 

وَبِلَيْلَةٍ نَحْوَ المَدائِنِ قاصِداً                           فِيها لِسَلْمانٍ أَتَيْتَ مُغَسِّلا

 

يا لَيتَ في الأحْيَاءِ شَخْصَكَ حَاضِرٌ                وَحُسينُ مَطْروحٌ بِعَرْصَةِ كَرْبَلا

 

عُرْيانَ يَكْسُوهُ الصَّعيدُ مَلابِساً                      أَفْدِيهِ مَسْلوبَ اللِباسِ مُسَرْبَلا

 

مُتَوَسِّداً حَرَّ الصَّعيدِ مُعَفَّراً                         بِدِمائِهِ تَرِبَ الجَبينِ مُرَمَّلا

 

ظَمآنَ مَجروحَ الجَوارِحِ لَمْ يِجِدْ                        مَاءً سِوَى دَمِهِ المُبَدَّدِ بِالفَلا

 

وَلِصَدْرِهِ تَطَأُ الخُيولُ وَطالَما                         بِسَرِيرِهِ جِبْريلُ كانَ مُوَكَّلا

 

وَلِثَغْرِهِ تَعْلُو السِّياطُ وَطالَما                       شَغَفاً لَهُ كانَ النّبيُّ مُقَبِّلا

 

وَبَنُوهُ في أَسْرِ الطُّغاةِ صَوارِخٌ                       وَلْهَاءُ مُعوِلَةٌ تُجاوِبُ مُعْوِلا

 

وَنِساؤهُ مِنْ حَوْلِهِ يَنْدُبْنَهُ                          بِأَبِي النِّساءُ النَّادِباتُ الثُّكَّلا

 

 

أبوذيّة:

 

راح الدلل اسكينه وداره                    انهدم بيته السعه ابقتله وداره

 

ابطرف رمحه رفع راسه وداره               ابراس الرمح راس ابن الزكيّه

 

شعبي:

 

راسك يخويه وين ما روح                 اگبالي ابراس السمهري يلوح

 

اشما بيّه من اصوابات وجروح             كلهن ابقلبي ودمهن يفوح

 

وجسمك العفته اهناك مطروح            فوق الثرى ولا نايحة تنوح

 

عقب الخدر ذاك او دلالي                ظليت حرمه ابغير والي

 

وابگه ابأسر يحسين تالي                 وراسك يشيلونه اگبالي

 

 

لمّا قتل الحسين عليه السلام واحتزّوا رأسه الشريف أرسل عمر بن سعد رأس الحسين عليه السلام إلى الكوفة مع خولّى بن يزيد الأصبحيّ، فوصل ليلاً ووجد القصر مغلقاً، فأخذ الرأس معه إلى داره، ووضعه في صحن الدار وأخفاه عن زوجته النوّار لما كان يعهد منها موالاتها ومحبّتها لأهل البيت عليهم السلام . فقالت له زوجته: أين كنت؟ فقال لها: اسكتي جئتك بغنى الدهر، قالت: وما ذاك؟ قال: هذا رأس الحسين معنا في الدار! قالت: ويحك النّاس يأتون بالذهب والفضّة وأنت تأتيني برأس الحسين، والله لا تجمع رأسي ورأسك وسادة أبداً..

 

ثمّ قامت وخرجت إلى صحن الدار، فرأت نوراً يصعد من الرأس، وسمعت أصوات نساءٍ يندبن الحسين عليه السلام بأشجى ندبة، وصوتاً من بينها يقول:

 

بني حسين قتلوك ومن شرب الماء منعوك وما عرفوا من أمّك ومن أبوك!!

 

أنا حاضرة يحسين يبني                 يا من ريت ذبّاحك ذبحني

 

اسعدني على ابني يلتحبني              أنا الوالدة والقلب لهفان

 

 

ودوّر عزا ابني وين ما كان                     جسمه طريح ولا له اكفان

 

اويلي على ابني المات عطشان                  ولعبت عليه الخيل ميدان

 

أنا الوالدة المذبوح ابنها                         وطول الدهر ما قل حزنها

 

مصيبة ويشيب الطفل منها                       سبعين جثة بدور كنّها

 

بالمعركة محّد دفنها                               وين اليواسيني بدمعته

 

على ابني الذي حزوا ركبته                      وظلّت ثلاث تيام جثته

 

اويلاه يبني الما حضرته                         ولا غسلت جسمه ودفنته

 

وين اليواسيني يشيعه                           على حسين وولاده ورضيعته

 

وابن والده عينه الطليعه                        على العلقمي كفوفه قطيعه

 

مطروح نايم عالشريعه

 

 

وعند الصباح غدا بالرأس إلى قصر الإمارة ووضع الرأس بين يدي ابن زياد وهو يقول:

 

امْلَأْ رِكابِي فِضَّةً أَوْ ذَهَبا                 إِنِّي قَتَلْتُ السِّيدَ المُحَجَّبا

 

قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمّاً وَأَبا

 

فساء ذلك ابن زياد وقال له: إذا علمت أنّه كذلك فلمَ قتلته؟ والله لا نلت منّي شيئاً، وطرده.

 

وفي بعض المقاتل: أمر ابن زياد برأس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة كلّها وقبائلها، قال زيد بن أرقم: مُرَّ عليّ برأس الحسين عليه السلام وهو على رمح وأنا في غرفة لي، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًاs، فوقف والله شعري وناديت: رأسك والله يا ابن رسول الله وأمرك أعجب وأعجب!! فلمّا فرغ القوم من التطواف به في الكوفة ردّوه إلى القصر..

 

رأسُ ابنِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وَوَصِيِّهِ               لِلناظِرينَ على قَناةٍ يُرْفَعُ

 

وَالمُسلِمونَ بِمَنْظَرٍ وَبِمَسْمَعٍ                  لا مُنْكِرٌ مِنهُم وَلا مُتَفَجِّعُ

 

كُحِلَتْ بِمَنظَرِكَ العُيونُ عِمايَةً             وَأَصَمَّ رِزؤكَ كُلَّ أُذُنٍ تَسْمَعُ

 

 

مَا رَوْضَةٌ إلَّا تَمَنَّتْ أَنَّها                 لَكَ حُفْرَةٌ وَلِخَطِّ قَبْرِكَ مَضْجَعُ

 

أَيْقَظْتَ أَجْفاناً وَكُنتَ لَها كَرىً         وَأَنَمْتَ عَيْناً لَمْ تَكُنْ بِكَ تَهْجَعُ

 

 

قال السيّد في اللهوف: ثمّ إنّ ابن زياد جلس في القصر للنّاس، وأذن إذناً عامّاً وجيء برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه وأدخل نساء الحسين وصبيانه إليه، فجلست زينب بنت عليّ عليه السلام متنكّرة فسأل عنها فقيل: هذه زينب بنت عليّ، فأقبل عليها فقالت: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت: إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: ما رأيت إلّا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذٍ ثكلتك أمّك يا ابن مرجانة. قال: فغضب وكأنّه همّ بها، فقال له عمرو بن حريث: إنّها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله (قلبي) من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجّاعة! ولعمري لقد كان أبوك سجاعاً شاعراً، فقالت: يا ابن زياد ما

 

 

للمرأة والسجاعة؟ وإنّ لي عن السجاعة لشغلاً وإنّي لأعجب ممّن يشتفي بقتل أئمّته، ويعلم أنّهم منتقمون منه في آخرته.

 

وقالت له أمّ كلثوم: يا ابن زياد إن كان قرّت عينك بقتل الحسين عليه السلام فقد كان عين رسول الله تقرّ برؤيته، وكان يقبّله ويمصّ شفتيه، ويحمله هو وأخوه على ظهره، فاستعدّ غداً للجواب.

 

ولكن الذي أحرق قلب زينب عليها السلام في ذلك المكان هو هذا المشهد الأليم، حينما وضع اللعين رأس الحسين عليه السلام بين يديه ينظر إليه ويتبسّم وبيده قضيب يضرب به ثنايا أبي عبد الله!!

 

يا ريت روحي تروح ويّاك                ولا شوفك مخضوب بدماك

 

ولا شوف النذل يضرب ثناياك           يريف اليتامى لا عدمناك

 

كان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو شيخ كبير فلمّا رآه يضرب بالقضيب ثناياه قال: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله عليهما مالا أحصيه يقبّلهما!! ثمّ انتحب باكياً..

 

فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك أتبكي لفتح الله؟ والله

 

 

لولا أنّك شيخ كبير قد خرقت وذهب عقلك، لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله..

 

تبّاً لِقَلْبٍ لا يُقَطَّعُ بَعْدَهُ                   أَسَفاً بِسَيْفِ الحُزْنِ أَيَّ تَقَطُّعِ

 

 

 

 

مجلس زينب عليها السلام والسبايا في الكوفة

 

سَلامٌ عَلى الحَوْراءِ ما بَقِيَ الدَّهْرُ            وَما أَشْرَقَتْ شَمْسٌ وَما طَلَعَ البدْرُ

 

سَلامٌ عَلى القَلْبِ الكَبيرِ وصَبْرِهِبِما          قَدْ جَرَتْ حُزْناً لَهُ الأَدْمُعُ الحُمْرُ

 

جَرى ما جَرى في كَربلاءَ وَعَيْنُها            تَرى ما جَرى مِمَّا يَذوبُ لَهُ الصَخْرُ

 

لَقَدْ أَبْصَرَتْ جِسْمَ الحُسينِ مُوَزَّعاً            فَجاءَتْ بِصَبْرٍ دُونَ مَفْهُومِهِ الصَبْرُ

 

رَأَتْهُ وَنادَتْ يا ابْنَ أُمِّي وَوَالِدي             لَكَ القَتْلُ مَكْتُوبٌ وَلِيْ كُتِبَ الصَبْرُ

 

أَخي إِنَّ فِي قَلْبِي أَسَىً لا أَطِيقُهُ             وَقَدْ ضَاقَ مِنِّي فِي تَحُمِّلِهِ الصَدْرُ

 

عَليَّ عَزيزٌ أنْ أَسيرَ مَعَ العِدَى               وَتَبْقَى بِوادِي الطَفِّ يِصْهَرُكَ الحَرُّ

 

أَخِي إنْ سَرى جِسْمِي فَقَلْبِي بِكَرْبَلا         مُقِيمٌ إلى أَنْ يِنْقَضِي مِنِّيَ العُمْرُ

 

أَخِي كُلُّ رُزْءٍ غَيرِ رُزْئِكَ هَيِّنٌ                وَما بِسِواهُ اشتَدَّ وَاعْصَوَصَبَ الأَمْرُ

 

 

أَخِي أَنْتَ عَنْ جَدِّي وَأُمِّي وَعنْ أَبِي                وَعنْ أَخِيَ المَسِمُومِ سَلْوَى وَلِي ذُخْرُ

 

وَمُذْ غِبْتَ عَنِّي غَابَ عنِّي جَمِيعُهُمْ                  فَفَقْدُكَ كَسْرٌ لَيسَ يُرجَى لَهُ جَبْر

 

أبوذيّة:

 

الصبر ثوب وتفصّلّي وحاله                        على اللي ابمصرعه الباري وحاله

 

حالي اميسّره الباري وحاله                         ثلث تيام مرمي اعلى الوطيّه

 

شعبي:

 

مصيبة كربلا أعظم مصيبه                          بيها شاهدت محنه رهيبه

 

واخوها شيبته بالدم خضيبه                        مصيبه القلب منها اتفطر وذاب

 

عگب الخدر ذاك ودلالي                          ظليت حرمه ابغير والي

 

وابقى ابأسر يحسين تالي                          وراسك يشيلونه اگبالي

 

 

قالت زينب عليها السلام: ..لمّا ضَرَبَ ابنُ ملجم لعنه الله أبي عليه السلام ورأيت أثر الموت منه، قلت له: يا أبه حدّثتني أم ّأيمن بكذا وكذا. وقد أحببّت أن أسمعه منك، فقال: يا بنيّة الحديث كما حدّثتك أمّ أيمن، وكأنّي بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد، أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطّفكم النّاس، فصبراً، فوالّذي فلق الحبّة وبرء النسمة، ما لله على الأرض يومئذٍ ولي غيركم وغير محبّيكم وشيعتكم...

 

وبالفعل جاء اليوم الذي وجدت زينب عليها السلام نفسها في الكوفة، ولكن بأيّ حالة؟!

 

فَلا مِثْلَ عِزٍّ كانَ بِالأَمْسِ عِزُّها                  وَلا مَثْلَ حَالٍ عَادَ فِي اليَوْمِ حَالُها

 

إلى أَيْنَ مَسْراها وَأَيْنَ مَصِيرُها                   وَمَنْ هُوَ مَأْواها وَمَنْ ذا مَآلُها

 

وَمَنْ ذا ثُمالُ الظِعْنِ إنْ هِيَ سُيِّرَتْ              يَضِيقُ فَمِي أنَّ ابنَ سَعْدٍ ثُمالُها

 

عَلى أَيِّ كَتِفٍ تَتَّكِي حِينَ رُكِّبَت               وَجَمَّالُها زَجْرٌ وَشَمْسٌ جِمالُها

 

 

مشينه اعلى الهزل وامكتفينه                    وخذونه ابهاليسر غصبن علينه

 

وياكم نضل لو يحصل بدينه                    لمّن يحسين يلفينه المحتّم

 

مشت فوق الظعن والحرم تنحب                وعليها اسياط شمر وزجر تلعب

 

حتى الظعن للكوفة تگرّب                       لابن زياد المبشر تقدّم

 

قال الرواة: لمّا أدخل الركب الحسينيّ إلى قصر الامارة التفت ابن زياد إلى عليّ بن الحسين فقال: من هذا؟ فقيل: عليّ بن الحسين، فقال: أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟ فقال عليّ: قد كان لي أخ يسمّى عليّ بن الحسين قتله النّاس، فقال: بل الله قتله، فقال عليّ: الله يتوفّى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ، فقال ابن زياد: ولك جرأة على جوابي؟ اذهبوا به فاضربوا عنقه، فسمعت عمّته زينب، فقالت: يا ابن زياد إنّك لم تبق منّا أحداً فإن عزمت على قتله فاقتلني معه، وتعلّقت به، واعتنقته، فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ثمّ قال: عجباً للرحم، والله إنّي

 

 

لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه، دعوه فإنّي أراه لما به.

 

وقال في اللهوف: فقال عليّ عليها السلام لعمّته زينب عليها السلام: اسكتي يا عمّه حتّى أكلّمه، ثمّ أقبل عليه السلام فقال: أبالقتل تهدّدني يا ابن زياد؟ أما علمت أنّ القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة؟!

 

ويقال أنّ ابن زياد أراد أن يؤلم الرباب زوجة الحسين عليه السلام ويحرق قلبها، فقال لها: رباب رأس من هذا؟ فسكتت وأبت أن تجيبه، فأعاد عليها السؤال ثانية، فسكتت، فقال: أقسم عليكِ بحقّه عليكِ إلّا ما أجبت، فعند ذلك قالت: هذا رأس المولى أبي عبد الله، ولا خير في الحياة بعده..

 

وأخذت الرباب الرأس ووضعته في حجرها وقبّلته وقالت:

 

وَاحُسيْناً فَلا نَسيتُ حُسيْناً                أَقَصَدَتْهُ أَسِنَّةُ الأَعْداءِ؟!

 

غادَرُوهُ بِكَرْبلاءَ صَرِيعاً                    لا سَقَى اللهُ جَانِبَيْ كَرْبِلاءِ

 

وفي بعض المقاتل: أنّ عبيد الله بن زياد أمر الجلاوزة أن يأخذوا منها الرأس فامتنعت عن تسليم الرأس فضربوها بالسياط..، وأخذوا منها الرأس.. فسألتها زينب بعد ذلك:

 

يا رباب ما دعاك إلى هذا العمل؟ قالت: يا سيّدتي لمّا ودّع الحسين عائلته استحييت أن أحضر لتوديعه وجلست في خيمتي ولم أودّعه، فلمّا قتل احترق قلبي على عدم حضوري في ساعة الوداع لتوديعه، فلمّا نظرت إلى رأسه أخذته وقبّلته بدلاً عن ذلك اليوم..

 

يا هلا ابراس الجايبين                  عيني تصد له او تصد عينه

 

يدري ابغربتنه او سبينه                او يسمع نواعينه او بكينه

 

لاكن اشبيده واشبيدينه                بس غمضت عيونه ولينه

 

گام العدو يحدي ابسبينه              وابذيك السياط انولينه

 

ثمّ أمر ابن زياد الشرطة بحبس الأسارى في دار إلى جنب المسجد الأعظم، يقول الحاجب: كنت معهم حين أمر بهم إلى السجن، فرأيت الرجال والنساء مجتمعين يبكون ويلطمون وجوههم.

 

وصاحت زينب عليها السلام بالنّاس: لا يدخلنّ علينا عربيّة إلّا أمّ ولد أو مملوكة فإنّهنّ سبين كما سبينا!

 

 

ما ريد وحده تطب علينه                بس المثلنه خل تجينه

 

تدري ابلوعتنه اوبكينه                  واشلون غربتنه وسبينه

 

وبعث اللعين البشائر إلى النواحي بقتل الحسين عليه السلام ، ثمّ كتب إلى يزيد يخبره بما جرى ويستأمره في الأسارى من أهل البيت والرؤوس، فكتب إليه يزيد يأمره بتسريح الرؤوس وأهل البيت إلى الشام، فدفع ابن زياد رأس الحسين عليه السلام إلى زحر بن قيس، وأمر بنساء الحسين عليه السلام وصبيانه فجهّزوا، وأمر بعليّ بن الحسين عليه السلام فَغُلّ بِغُلٍّ في عنقه، وحمل أهل بيت الرسول على غير وطاء، يدار بهم من بلد إلى بلد..

 

عن جابر الجعفيّ، قال: لمّا جرّد مولاي محمّد الباقر، مولاي عليّ بن الحسين ثيابه، ووضعه على المغتسل، وكان قد ضرب دونه حجاباً، سمعته ينشج ويبكي، حتّى أطال ذلك، فأمهلته عن السؤال، حتّى إذا فرغ من غسله ودفنه، فأتيت إليه، وسلّمت عليه، وقلت له: جعلت فداك، ممَّ كان بكاؤك، وأنت تغسّل أباك؟ أكان ذلك حزناً عليه؟ قال: لا يا جابر، لكن لمّا جرّدت أبي ثيابه، ووضعته على المغتسل، رأيت آثار الجامعة في عنقه،

 

 

وآثار جرح القيد في ساقيه وفخذيه، فأخذتني الرقّة لذلك، وبكيت.

 

مّالِي أَراكَ وَدَمْعُ عَيْنِكَ جَامِدٌ            أَوَ ما سَمِعْتَ بِمِحْنَةِ السَجَّادِ

 

 

 

 

 

مجلس الركب الحسينيّ في طريقه إلى الشام

 

للهِ مَطْروحٌ حَوَتْ مِنهُ الثَرى                 نَفْسَ العُلَى والسُؤْدُدَ المَفْقُودا

 

وَمُجَرَّحٌ ما غَيَّرتْ مِنهُ القَنا                  حُسْناً وَلا أَخْلَقْنَ مِنهُ جَديدا

 

قَدْ كانَ بَدْراً فاغْتَدى شَمْسَ الضُحَى         مُذْ أَلبَسَتْهُ يَدُ الدِّماءِ لُبُودا

 

وَثَواكِلٌ فِي النَّوْحِ تُسْعِدُ مِثْلَها              أَرَأَيْتَ ذَا ثَكْلٍ يَكونُ سَعيدا

 

ناحَتْ فَلَمْ تَرَ مِثْلَهُنَّ نَوائِحاً               إذْ لَيْسَ مِثلَ فَقِيدِهِنَّ فَقيدا

 

وَغَدَتْ أَسِيرةَ خِدْرِها ابنةُ فَاطِمٍ             لَمْ تَلْقَ غَيْرَ أَسِيرِها مَصْفُودا

 

تُخْفِي الشَّجَى جَلَداً فإِنْ غَلَبَ الأَسَى       ضَعُفَتْ فَأَبْدَتْ شَجْوَها المَكمُودا

 

نادَتْ فَقَطَّعَتِ القُلوبَ بِشَجْوِها            لَكِنَّما انتَظَمَ البَيانُ فَرِيدا

 

إنْسانَ عَيْنِي يا حُسينُ أُخَيَّ يا              أَمَلِي وَعِقْدَ جُمانِيَ المَنْضُودا

 

 

ما لِي دَعَوْتُ فَلا تُجِيبُ وَلَمْ تَكُنْ            عَوَّدَتَنِي مِنْ قَبْلِ ذَاكَ صُدُودا

 

أَلِمِحْنَةٍ شَغَلَتْكَ عَنِّي أَمْ قِلىً                 حَاشَاكَ إِنَّكَ ما بَرِحْتَ وَدُودا

 

شعبي:

 

أناديك ما يشجيلك انداي                   ولا تسمع اعتابي ونخواي

 

إلمن بعد يحسين شكواي                     ظنّي انقطع وانقطع رجواي

 

يحسين يا بن امي يمذبوح                    عليك البكا والحزن والنوح

 

عاري وتظل بالشمس مطروح                وللشام زينب عنّك تروح

 

والراس فوق السمهري يلوح                  لون تنفدي لفديك بالروح

 

 

لمّا أرسل اللعين عبيد الله ابن زياد رأس الحسين عليه السلام والرؤوس التي معه إلى الشام، أمرهم أن يشهروها في كلّ بلد يأتونه..

 

وفي بعض المنازل في الطريق أدركهم المساء عند صومعة راهب، فجعلوا الرأس المقدّس في صندوق، وجلسوا يأكلون ويشربون ويغنّون، فبينا هم كذلك، وإذا بكفّ تكتب على حائط، (وفي بعض الروايات أنّ هاتفاً هتف):

 

أَتَرجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسيْناً                   شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ

 

فَلا وَاللهِ لَيْسَ لَهُمْ شَفِيعٌ                  وَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فِي العَذابِ

 

وَقَدْ قَتَلُوا الحُسينَ بِحُكْمِ جَوْرٍ             وَخَالَفَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ الكِتابِ

 

فامتنعوا وما هنأوا بالأكل، فلمّا عسعس الليل سمع الراهب دويّاً كدويّ الرعد، وتسبيحاً وتقديساً، وأصواتاً تقول:

السلام عليك يا بن رسول الله، السلام عليك يا أبا عبد الله.. فجزع جزعاً شديداً، وسأل القوم عنه فقالوا رأس خارجيّ، فقال: ما اسمه؟ قالوا: الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام ، وأمّه فاطمة الزهراء، وجدّه محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله، فقال الراهب: تبّاً لكم ولما جئتم.. صدقت الأخبار في قولها

 

 

إذا قتل هذا الرجل تمطر السماء دماً..ثمّ طلب منهم الرأس ساعة واحدة وأعطاهم المال.. فدفعوا له الرأس وأخذه الراهب فطيّبه بالمسك والكافور وجعله على قطنة من الحرير، وجعل يقبِّله ويبكي ويقول: يعزُّ والله عليَّ يا أبا عبد الله أن لا أواسيك بنفسي، ولكن يا أبا عبد الله إذا لقيت جدَّك المصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله فاشهد لي أنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً رسول الله وأشهد أنّ عليّاً وليّ الله..

 

وفي الطريق سمعوا أيضاً بكاءً وقائلاً يقول:

 

مَسَحَ النَبِيُّ جَبِينَهُ              فَلَهُ بَرِيقٌ فِي الخُدُودِ

 

أَبَوَاهُ مِنْ عَلْيا قُرَيشٍ           جَدُّهُ خَيْرُ الجُدُودِ

 

وفي الإقبال عن جعفر بن محمّد عليهما السلام قال: قال لي أبي محمّد بن عليّ: سألت أبي عليّ بن الحسين عن حمل يزيد له فقال: حملني على بعير يضلع بغير وطاء، ورأس الحسين عليه السلام على علم، ونسوتنا خلفي على بغال فأكفّ، (أي أميل وأشرف على السقوط)، والفارطة (الظلمة) خلفنا وحولنا بالرماح، إن دمعت من أحدنا عين قرع رأسه بالرمح، حتّى إذا دخلنا دمشق صاح صائح: يا أهل الشام هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون!!

 

 

طلعوا كل أهالي الشام ليهن            ابحالة فرح تتفرج عليهن

 

وعلي السجاد وياهن وليهن           ابقيد وجامعه وبالحبل ينجر

 

وعن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام قال: لمّا قدم على يزيد بذراري الحسين عليه السلام أدخل بهنّ نهاراً مكشّفات وجوههن، فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبياً أحسن من هؤلاء فمن أنتم؟ فقالت سكينة بنت الحسين: نحن سبايا آل محمّد!

 

تبكي وتنادي بدمع سجام                        يسره خذونه الديرة الشام

 

من عقب أهلنه حرم ويتام                        واعلى الرماح الروس كدام

 

وفرحوا بين ميّه الظلام                            ابقتلت احسين وحرگ الخيام

 

ولمّا جاءت الرؤوس كان يزيد في منظرة على ربا جيرون فأنشد لنفسه:

 

لمّا بّدَتْ تِلْكَ الحُمولُ وأَشْرَفَتْ                  تِلْكَ الرُؤوسُ عَلى رُبا جِيرونِ

 

نَعَبَ الغُرابُ فَقُلْتُ صِحْ أَوْ لا تَصِحْ            فَلَقَدْ قَضَيْتُ مِنَ الرَّسولِ دُيُونِي

 

قال الراوي: وسار القوم برأس الحسين ونسائه والأسرى من رجاله فلمّا قربوا من دمشق دنت أمّ كلثوم من شمر وكان من

 

 

جملتهم فقالت له: لي إليك حاجة، فقال: ما حاجتك؟ قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظارة وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال!

 

فأمر في جواب سؤالها أن يجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة..

 

بنات المصطفى بيا حال سارت                  وبالبلدان بيها الگوم دارت

 

عن نظَّارها بالستر حارت                       ما ظل الها ستر بيه تستّر

 

حتّى أتى بهم باب دمشق فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي!

 

فروي: أنّ بعض فضلاء التابعين لمّا شاهد رأس الحسين عليه السلام بالشام أخفى نفسه شهراً من جميع أصحابه فلمّا وجدوه بعد إذ فقدوه سألوه عن سبب ذلك فقال ألا ترون ما نزل بنا وأنشأ يقول:

 

جَاؤوا بِرَأْسِكَ يا بنَ بِنْتِ مُحمَّدٍ                 مُتَرَمِّلاً بِدِمائِهِ تَرْمِيلا

 

وَكَأَنَّما بِكَ يا بنَ بِنْتِ مُحمَّدٍ                  قَتَلُوا جَهاراً عَامِدِينَ رَسُولا

 

قَتَلُوكَ عَطْشاناً وَلَمْ يَتَرَقَّبُوا                   فِي قَتْلِكَ التأْوِيلَ وَالتَنْزِيلا

 

وَيُكَبِّرُونَ بِأنْ قُتِلتَ وَإِنَّما                     قَتَلُوا بِكَ التَكْبِيرَ وَالتَهلِيلا

 

 

قال الراوي: وجاء شيخ ودنا من نساء الحسين عليه السلام وعياله وهم في ذلك الموضع فقال الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم.

 

فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الآية: ألَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى. قال الشيخ: نعم قد قرأت ذلك، فقال عليّ عليه السلام له: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت في بني إسرائيلوَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ فقال الشيخ: قد قرأت، فقال عليّ بن الحسين: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى. قال: نعم، فقال له عليّ عليه السلام: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال عليّ عليه السلام: فنحن أهل البيت الذي خصّنا الله بآية الطهارة يا شيخ.

 

 

قال الراوي: فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به وقال: بالله إنّكم هم، فقال: عليّ بن الحسين عليهما السلام تالله إنّا لنحن هم من غير شكٍّ وحقّ جدّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبكى الشيخ ورمى عمامته ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنّا نبرأ إليك من عدوّ آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من جنّ وإنس، ثمّ قال: هل لي توبة؟ فقال له: نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل.

 

وَلِلشَّامِ قَدْ سِيقَتْ حَرائِرُ هَاشِمٍ                      وَغَيرَ العِدا لَمْ تَلْقَ فِي السَيرِ حادِيا

 

تَجوبُ بِها بِيْدِ القِفارِ أُمَيَّةٌ                          عَلى هُزُلٍ فِي السَيْرِ تَطْوِي الفَيافِيا

 

 

مجلس الركب الحسينيّ على أبواب الشام

 

فَوَاحَرَّ قَلْبَ الدِينِ بِابنِ مُقِيمِهِ                غَداةَ غَدا فِي الأَرضِ شِلْواً مُبَضَّعاً

 

تَجُولُ عَليهِ الصَافِناتُ ضَوَابِحاً                 تَرُضُ لَهُ صَدْراً وَتَهْشِمُ أَضْلُعا

 

فَلَهْفِي لَهُ وَالرَأْسُ يُرْفَعُ مُزْهِراً                 بِرَأْسِ سِنانٍ صَارَ لِلبَدْرِ مَطْلِعا

 

وَلَهْفِي لِآلِ اللهِ أَسْرَى حَوَاسِراً                عَلَيْها الحَيا قَدْ لَاثَ بُرْداً وَبُرْقُعا

 

تُجاذِبُها آلُ الدَعِيِّ رِداءَها                    وَتُرْكِبُها النِيْبَ الهَوازِلَ ضُلَّعا

 

وَلَيْسَ لَهَا مِنْ كَافِلٍ غَيرَ مُسْقَمٍ               تَجَرَّعَ مِنْ أَغْلالِهِ ما تَجَرَّعا

 

يَرَى فَوْقَ أَقْتابِ المَطايا حَرائِراً               تَصُوبُ دُمُوعاً كَالغَمائِمِ هُمَّعا

 

تُنادِي وَلا غَوْثٌ يُجِيبُ نِداءَها              حَمِيّاً لَها فَوْقَ الصَعيدِ مُوَزَّعا

 

عَلَيْكَ عَزيزٌ أنْ تَرانا حَواسِراً                وَلا سَاتِراً إلَّا أَكُفَّاً وَأَذْرُعا

 

فَيا وَقْعَةً قَدْ زَعْزَعَ الكَوْنَ وَقْعُها             وَلَمْ تُبقِ فِي قَوْسِ التَّصَبُّرِ مَنْزَعا

 

مَتَى يَظْهَرُ المَهْدِيُّ مِنْ آلِ أَحمَدٍ             فَقَدْ أَوْشَكَت أَكْبَادُنا أنْ تُقَطَّعا

 

 

أبوذيّة:

 

راعي الثار ما يظهر علامه                  ينشر لليتانونه علامه

 

نسه بمتون عماته علامه                    بضرب اسياط زجر وجور اميّه

 

شعبي:

 

زينب نادت الجمال                        والعبرات تجريها

 

بينه من تطب الشام                       لا تگرّب لهاليها

 

يحادي ارفق بهالعيلة                        بيهن من تطب الشام

 

لا تدنه امن اهاليها                        ولا تمشي بطريق العام

 

تراهي اخدور ما عدها                     اوگدام الحريم ايتام

 

وأخاف النّاس تلفيها                      وتگوم اتعاين اعليها

 

يحادي أزرى الدهر بيها

 

 

وعن سهل بن سعد الشهرزوريّ قال: خرجت من شهرزور، أريد بيت المقدس، فصادف خروجي أيّام قتل الحسين عليه السلام، فدخلت الشام، فرأيت الأبواب مفتّحة والدكاكين مغلّقة، والخيل مسرّجة، والأعلام منشورة، والرايات مشهورة، والنّاس أفواجاً قد امتلأت منهم السكك والأسواق، وهم في أحسن زينة يفرحون ويضحكون. فقلت لبعضهم: أظنّ حدث لكم عيد لا نعرفه؟ قالوا: لا. قلت: فما بال النّاس كافّة فرحين مسرورين؟ فقالوا: أغريب أنت أم لا عهد لك بالبلد؟.. خرج عليه في أرض العراق خارجيّ، فقتله، والمنّة لله تعالى، وله الحمد. قلت: ومن هذا الخارجيّ؟ قالوا: الحسين بن عليّ بن أبي طالب. قلت: الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: نعم. قلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وإنّ هذا الفرح والزينة لقتل ابن بنت نبيّكم، أو ما كفاكم قتله حتّى سمّيتموه خارجيّاً؟! فقالوا: يا هذا أمسك عن هذا الكلام، واحفظ نفسك، فإنّه ما من أحد يذكر الحسين بخير، إلّا ضربت عنقه. فسكت عنهم باكياً حزيناً، فرأيت باباً عظيماً، قد دخلت فيه الأعلام والطبول، فقالوا: الرأس يدخل من هذا الباب، فوقفت هناك وكلّما تقدّموا بالرأس كان أشدّ لفرحهم، وارتفعت أصواتهم، وإذا برأس

 

 

الحسين عليه السلام، والنور يسطع من فيه، كنور رسول الله صلى الله عليه وآله، فلطمت على وجهي، وقطعت أطماري، وعلا بكائي ونحيبي، وقلت: وا حزناه للأبدان البالية النازحة عن الأوطان، المدفونة بلا أكفان، وا حزناه على الخدّ التريب، والشيب الخضيب، يا رسول الله ليت عينيك ترى رأس الحسين في دمشق، يطاف به في الأسواق، وبناتك مشهورات على النياق، مشقّقات الذيول والأزياق، ينظر إليهن شرار الفسّاق، أين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يراكم على هذا الحال؟

 

دنهض يكشاف الكروب                         يا بو الحسن يا داحي البوب

 

ترى ابنك بحدّ السيف مضروب                 وشيبه ابدم النحر مخضوب

 

وراسه براس الرمح منصوب                      وسجّادكم بالقيد مسحوب

 

ونسوانكم بين الشعوب                         سبايا ومنها القلب مرعوب

 

ثمّ بكيت وبكى لبكائي كلّ من سمع منهم صوتي وأكثرهم لا يفطنون لكثرة الغلبة وشدّة فرحهم، واشتغالهم بسرورهم، وارتفاع أصواتهم، وإذا بنسوة على أقتاب الجمال بغير وطاء،

 

 

ولا ستر، وقائلة منهن تقول: وا محمّداه، وا عليّاه، وا حسناه، وا حسيناه، لو رأيتم ما حلّ بنا من الأعداء. يا رسول الله بناتك أسارى كأنّهنّ بعض اليهود والنصارى، وهي تنوح بصوت شجيٍّ يقرع القلوب على الرضيع الصغير وعلى الشيخ الكبير، وعلى المذبوح من القفا، ومهتوك الخباء العريان بلا رداء، وا حزناه لما نالنا أهل البيت، فعند الله نحتسب مصيبتنا.

 

حيدر يبويه ما تجينه           وتشوفنا اشلون انسبينه

 

سبايا ونتستر بدينه            والنّاس تتفرج علينه

 

وزين العباد مگيدينه            يبكي ويتلفت ابعينه

 

ويگول ابويه احسين وينه      انته انصبت واحنا انسبينه

 

قال: فتعلّقت بقائمة المحمل، وناديت بأعلى الصوت: السلام عليكم يا آل بيت محمّد ورحمة الله وبركاته، وقد عرفت أنّها أمّ كلثوم بنت عليّ، فقالت: من أنت أيّها الرجل الذي لم يسلّم علينا أحد غيرك مثل سلامك منذ قتل أخي وسيّدي الحسين عليه السلام ؟ فقلت لها: يا سيّدتي أنا رجل من شهرزور،

 

 

اسمي سهل، رأيت جدّك محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله. قالت: يا سهل ألا ترى ما صنع بنا؟ أما والله لو عشنا في زمان لم ير محمّداً، ما صنع بنا أهله بعض هذا، قتل والله أخي وسيّدي الحسين وسبينا كما تسبى العبيد والإماء، وحملنا على الأقتاب بغير وطاء ولا ستر كما ترى. فقلت: يا سيّدتي يعزّ والله على جدّك وأبيك وأمّك وأخيك سبط نبيّ الهدى.

 

آنه العگب عزّي ودلالي                     وجمعة هلي وذيك الليالي

 

ما بين گوم انذال تالي                       أسيرة وزجر صاير الوالي

 

قال سهل: وأقبلت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا بفارس بيده رمح طويل وعليه رأس وجهه أشبه بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتهلهل نوراً، كأنّه البدر الطالع، ومن ورائه النساء على أقتاب الجمال بلا وطاء ولا غطاء، على الأوّل أمّ كلثوم، وهي تنادي: وا أخاه، وا سيّداه، وا محمّداه، وا عليّاه! ورأيت نسوة مهتّكات، فجعلت أنظر إليهنّ متأسّفاً، فأقبلت جارية على بعير، بغير وطاء ولا غطاء، وهي تنادي: وا محمّداه، وا عليّاه، وا حسيناه، وا عبّاساه..

 

وأقبل عليّ بن الحسين عليهما السلام ، وهو مقيّد على بعير بغير وطاء ولا غطاء قد أنهكته العلّة، فلمّا نظر إلى النّاس واجتماعهم بكى

 

 

بكاءً شديداً وجعل يقول:

 

أُقَادُ ذَلِيلاً فِي دِمَشقَ كَأَنَّنِي                    مِنْ الزِّنْجِ عَبْدٌ غَابَ عَنهُ نَصيرُهُ

 

وَجَدِّي رَسولُ اللهِ فِي كُلِّ مَشْهَدٍ               وَشَيْخِي أَميرُ المُؤمِنِينَ وَزِيرُهُ

 

فَيا لَيْتَ لَمْ أَنْظُرْ دِمَشْقاً وَلَمْ أَكُنْ               يَرَانِي يِزيدٌ فِي البِلادِ أَسِيرُهُ

 

قال سهل: ونظرت إلى روشن1 هناك، عليه خمس نسوة بينهن عجوز محدودبة لها من العمر ثمانون سنة، فلمّا صار الرأس بإزاء الروشن، وثبت العجوز، وأخذت حجراً فضربت به رأس الحسين!

 

راسك يخويه وين ما روح                     اگبالي براس السمهري ايلوح

 

اشما بيه اصوابات وجروح                     كلهن ابقلبي او دمهن ايفوح

 

لَهْفِي لِرَأسِكَ فَوْقَ مَسْلُوبِ القَنا              يَكْسُوهُ مِنْ أَنْوَارِهِ جِلْبابا

 

يَتْلُو الكِتابَ عَلى السِنانِ وإنَّما               رَفَعُوا بِهِ فَوْقَ السِنانِ كِتابا

 

 

 

 

1- الروشن هي أن تخرج أخشاباً إلى الدرب وتبنى عليها، وتجعل عليها قوائم

 

 

 

الفهرس

المقدمة

5

مجلس سلب النساء وحرق الخيام

9

مجلس حال بنات الرسالة ورضّ الجسد الشريف

17

مجلس دفن الإمام الحسين عليه السلام والأجساد الطاهرة

25

مجلس وداع الأجساد الطاهرة

33

مجلس الخروج من كربلاء

43

مجلس الدخول إلى الكوفة

51

مجلس رأس الحسين عليه السلام في الكوفة ومجلس ابن زياد

59

مجلس زينب عليها السلام والسبايا في الكوفة

67

مجلس الركب الحسينيّ في طريقه إلى الشام

75

مجلس الركب الحسينيّ على أبواب الشام

83

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل أعجبك ما قرأت؟! يرجى أن تعطينا رأيك!
معجب Vs غير معجب
تقدير
التعليقات
التعليقات
كل التعليقات تعكس آراء الزوار فقط،

والموقع ليس مسؤولا عن ذلك.
عدد التعليقات: 0
لا يوجد أي تعليق، كن الأول و ضع تعليقك الان.

إضافة تعليق

Follow Us On FacebookFollow Us On TwitterFollow Us On Google PlusFollow Us On You Tube
من كلام السيّد القائد الخامنئي دام حفظه حول تثبيت سنة الزيارة وإحياء ذكرى كربلاء في الأربعين

© 2014 - 2019 Copyright Hawze Yeman :: Web Design & Web Development by Creative 4 All s.a.r.l.